دخان جنيف ونار حامات…هل بات لبنان رهينة المفاوضات الكبرى؟

يقف العالم اليوم على أطراف أصابعه، مراقباً باهتمام كبير أروقة جنيف، حيث تدور رحى مفاوضات إيرانية أميركية وُصفت بأنها الأخطر في العقد الأخير. في كواليس هذه اللقاءات، يسود انتظار ثقيل لخطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب القادمة، فالتأخر في حسم المسار الدبلوماسي بدأ يُقرأ دولياً على أنه نذير لتداعيات كبرى، إذ إن الهدوء غالباً ما يسبق قرارات الصدمة التي قد تغيّر خارطة التوازنات في لحظات.

وسط هذا الترقب العالمي، بدأت تخرج إلى العلن معطيات تشير إلى أن فشل اللغة الدبلوماسية سيحوّل الأنظار فوراً نحو الساحات المفتوحة كخيار بديل لتصريف الضغط. وفي هذا السياق، تبرز الساحة اللبنانية كصندوق بريد ميداني جاهز لاستقبال الرسائل العنيفة، خاصة مع تلويح المرشد الإيراني علي خامنئي بـ”الحرب الإقليمية الشاملة”، وهي الحرب التي يبدو أنها تستند بشكل أساسي إلى قدرات “حزب الله” الذي أعلن أمينه العام الشيخ نعيم قاسم صراحة وقوفه الكامل خلف طهران في أي مواجهة مرتقبة.

تحركات عوكر وحامات

هذا الربط السياسي سرعان ما تُرجم على الأرض بتحركات أثارت الريبة، فقد بدأت السفارة الأميركية في عوكر فعلياً بإجلاء موظفيها غير الأساسيين، في إجراء أعاد إلى الأذهان حادثة إطلاق النار الغامضة التي شهدها محيط السفارة قبل نحو عامين، لكنه هذه المرة يحمل طابع الإنذار الأخير. ولم يقتصر الأمر على واشنطن، بل امتد ليشمل بعض السفارات الأوروبية، مما يعزز فرضية وجود معلومات استخباراتية موحدة حول خطر وشيك يتجاوز حدود المناوشات المعتادة.

وفي عمق الميدان، برزت قاعدة حامات كعنوان ساخن بعد أن صنّفتها “قناة العالم” الإيرانية كـ”الهدف رقم 9″ ضمن بنك أهدافها، بزعم تحوّلها إلى منصة لمسيّرات أميركية تراقب المنطقة. هذا الاستهداف الإعلامي الإيراني تقاطع مع استنفار أميركي ميداني في محيط القاعدة مؤخراً، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً… لماذا يُراد إقحام لبنان كأرض صراع رغم أن الوجود الأميركي فيه لا يشكل نقطة انطلاق عسكرية لضرب العمق الإيراني؟ خاصة وأن معظم الدول العربية أعلنت رفضها القاطع لاستخدام أراضيها كقواعد لضرب طهران.

وفي هذا الإطار، توقف خبير عسكري في حديث لـ”صوت بيروت إنترناشونال” عند هذه التطورات، معتبراً أن التحركات الميدانية الأخيرة في محيط قاعدة حامات وما رافقها من إجراءات استثنائية، تعكس مستوى عالياً من القلق الاستخباراتي، وربما محاولة استباقية لإحباط أي تهديد تقني يستهدف المواقع الحساسة في هذه المرحلة الحرجة.

خطة الليطاني ولغز الشيفرات

وبينما تحاول الدولة اللبنانية استعادة توازنها عبر خطة الجيش اللبناني للانتشار شمال الليطاني، برزت فجوة الثقة مع المجتمع الدولي… فالفترة الزمنية المقترحة للخطة التي تمتد من 4 إلى 8 أشهر قابلة للتمديد. اعتبرها المتابعون وقتاً طويلاً لا يملكه لبنان أمام تسارع طبول الحرب. وما زاد الطين بلة هو الكشف مؤخراً عن مخزن أسلحة ضخم جنوب الليطاني، مما وضع صدقية الالتزام اللبناني بـ”الضبط والربط” في مواجهة محرجة مع الضغوط الأميركية.

لكن التطور الأكثر إثارة للقلق يكمن في التساؤلات المتزايدة حول ما يتم تداوله عن قيام طهران بتسليم شيفرات الصواريخ الدقيقة مباشرة لقيادات في لبنان، فهل انتقل قرار ساعة الصفر حقاً ليصبح محلياً ومستقلاً؟ هذا التساؤل يكتسب مشروعيته من شراسة الغارات الإسرائيلية الأخيرة في البقاع التي استهدفت العقول التقنية في القوات الجوية، فيما بدا كأنه محاولة استباقية لقطع الطريق على أي انتقال تقني استراتيجي قد يقلب الطاولة في لحظة صدام.

في الختام، بينما ينتظر العالم دخان جنيف، تؤكد الوقائع الميدانية في حامات وعوكر والبقاع بأن لبنان يجد نفسه الحلقة الأضعف والرهينة الأكبر في صراع الجبابرة… يبدو أن هناك من يريد للبنان أن يكون الساحة الوحيدة التي تشتعل لتنير طريق المفاوضات الكبرى، فإما تسوية تنقذ ما تبقى من هيكل الدولة، أو انفجار يثبت أن بيروت كانت الخاصرة الأضعف في لعبة الكبار.