رؤية "حزب الله" للمسار التفاوضي تسخر من حسابات الرئاستين!

فيما يأخذ موضوع مسار المفاوضات وفق المبادرة الرئاسية مداه ويحجز لنفسه مكاناً في المشهد السياسي، فإن الإجابة القاطعة التي يعطيها مسؤولو "حزب الله" لأي سائل عن توقعاتهم للمسار التفاوضي الذي بدأته الدولة ممثلة برئيسي الجمهورية والحكومة، هو أن "الكلمة الآن للميدان وحده، وأيّ كلام خارج هذا الإطار هو عبث ووقت مهدور".

هذه الإجابة، بعدما أوشكت المواجهات الميدانية على دخول أسبوعها الثالث، تستبطن أمرين:

الأول أن الحزب واثق من أن المواجهات طويلة، وباب الاحتمالات مفتوح على مصراعيه.
الثاني أنه يراهن على أن مسار الميدان لن يعاكسه هذه المرة كما في الحرب السابقة.

واستتباعاً، يعتقد الحزب أن تركيز الإسرائيلي نفسه سيكون أيضاً على الميدان ونتائجه، ولن يتعامل جدياً مع أيّ عرض تفاوض ما دامت الوقائع الميدانية اليومية غير ثابتة.

ترى مصادر على صلة بالحزب أن تصرف السلطة اللبنانية الذي تجلى في مقررات جلسة الحكومة قبل ظهر الإثنين في 2 آذار الجاري، اتخذ بناء على "تقديرات متسرعة" فحواها أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مكتوب لها أن تنتهي بإلحاق هزيمة كاسحة بإيران وحلفائها. وعليه، تعجلت السلطة في أمرين:
-    حظر نشاط الحزب العسكري والأمني، ثم التعجيل في إجراءات استكمالية مثل اعتقال مقاومين واقتيادهم إلى القضاء.

-    مسارعة الرئاستين الأولى والثالثة إلى تقديم عرض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مقرونا بالحديث عن استعداد لبنان للاعتراف بها.

وهكذا، يعتقد الحزب أن السلطة أخطأت التقدير والحساب يوم تسرعت وقررت حظر النشاط العسكري للمقاومة، وهو ما يعني ضمناً رفع أي غطاء عن أي نشاط معاد للاحتلال، وهذا تكرار لتجربة السلطة الفلسطينية في رام الله منذ توقيعها اتفاقية أوسلو عام 1993، بحيث تكرس واقع مزدوج ومتعارض بين سلطة تتصرف على أساس أن بيدها كل شيء وقرار الحرب والسلم، وقوة أخرى تعتبر أي عائق دون المقاومة هو غير شرعي ولا قيمة له. وهذا يعني ضمناً أن الحزب مستعد ليكون هو القوة الثانية، المتعايشة والمتصارعة مع الأولى بفعل الأمر الواقع ومعادلات موازين القوى على الأرض.

وعليه، وفق المصادر عينها، يعتقد الحزب أن ما اصطلح على تسميتها "المبادرة الرئاسية" قد تصل إلى الطريق المسدود، وتلقى المصير عينه الذي لقيته مبادرة السلطة يوم تبنت بالكامل ورقة توم برّاك في جلسة 5 آب الماضي عندما ارتكزت على أساس أنه الخيار المتاح الذي لا بديل منه وفق ما روجت له السلطة.

ومن البديهي وفق المصادر إياها أن السلطة تعمدت التسرع لسبب أساسي هو أنها تسابق أي طارىء أو مستجد يطل برأسه ويغير الوقائع والمعطيات الميدانية وغير الميدانية.

ولا يصرف الحزب جهداً كبيراً للاعتراض على المسار التفاوضي الذي اختاره الحكم من خلال عرضه الأخير، إذ يراه خيار من لا يملك القدرة على التعهد والالتزام.

ولا ينكر أنه في مقابل سعي السلطة إلى الإيحاء بأنها تقبض على زمام الموقف السياسي الذي يبيح لها إطلاق مبادرة تفاوضية، يسعى هو إلى القبض على زمام المبادرة ميدانياً، في محاولة واضحة منه لتكرار تجربة الزمن التفاوضي الذي تلا اجتياح عام 1982 يوم كانت السلطة الجديدة آنذاك قد شرعت في رحلة تفاوض شاقة مع الإسرائيلي انتهت باتفاق 17 أيار، فيما كانت مقاومة ذلك الزمن أخذت مكانها في الميدان.