"راجح" جديد في زمن نعيم قاسم

في لبنان، لا تحتاج إلى كثير من الخيال كي تجد السياسة وقد تحوّلت إلى مسرح. لكن أن تعود إلينا، بعد عقود من "بياع الخواتم"، شخصية تشبه "راجح" في طريقة استخدامها وتوظيفها، فهذه ليست مفارقة عابرة، بل مشهد يستحق التوقف عنده.

في مسرحية الأخوين رحباني، كان "راجح" شخصية غامضة تُنسج حولها الحكايات والمخاوف، إلى أن تتحول الشخصية الوهمية إلى حقيقة في أذهان أهل الضيعة. لم يكن السؤال فقط: هل "راجح" موجود؟ بل: من اخترع "راجح"؟ ولماذا؟ ومن المستفيد من أن يصدّقه الناس؟

اليوم، يظهر اسم إسرائيلي قيل إنّه "موشي يائير" في خطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم. اسم قُدّم بوصفه لكاتب أو شخصية إسرائيلية، ونُسبت إليه مواقف وكتابات استُخدمت في الهجوم على الوفد اللبناني المفاوض والتشكيك في نواياه وسيادته.

لكن حين يُبحث عن هذا الاسم، لا يظهر له أثر موثوق في الصحيفة التي نُسبت إليها كتاباته، ولا تبدو هناك شخصية واضحة بهذه المواصفات يمكن العودة إليها كمصدر أصلي. والأخطر أن هذا الاسم لم يظهر للمرة الأولى في خطاب قاسم، بل سبق أن جرى تداوله في صفحات وحسابات مؤيدة لحزب الله وإيران، ضمن روايات تخدم بصورة شبه مثالية السردية التي يريد جمهور الممانعة تصديقها.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن المسألة لم تعد مجرد كاتب مجهول أو مصدر سيئ التحقق. نحن أمام أمين عام حزب سياسي يستخدم أمام جمهوره وفي خطاب سياسي حساس، مادة منسوبة إلى شخصية يُثار جدياً حول وجودها من الأساس.

وهنا لا بد من طرح السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:
هل نعيم قاسم صدّق "موشي يائير" فعلًا؟ أم أنه يعرف أنه غير موجود ويقدّمه لجمهوره على أنه حقيقة؟
إذا كان قاسم صدّق الرواية فعلًا، فالمشكلة أكبر مما تبدو. كيف يمكن لقائد حزب يملك ترسانة سياسية وعسكرية وأمنية وإعلامية، ويقدم نفسه لجمهوره على أنه صاحب معرفة دقيقة بما يجري في إسرائيل والمنطقة، أن يبني موقفًا سياسيًا على شخصية لا يستطيع أحد تحديد هويتها أو العثور على آثار موثوقة لها؟
أما الاحتمال الثاني فهو أكثر خطورة، أن يكون قاسم يعرف أن "موشي يائير" غير موجود، لكنه يستخدم الاسم لأنه يعلم أن جمهوره لن يسأل: أين المقال؟ أين الكاتب؟ أين الأرشيف؟ أين المصدر الأصلي؟

عندها نكون أمام شيء مختلف تمامًا: ليس تضليلًا وقع فيه القائد، بل تضليل يمارسه القائد على جمهوره.

وهنا تحديدًا يعود "راجح" إلى الواجهة بنسخة سياسية حديثة: اسم يُستدعى من الظلام، تُعلّق عليه المواقف، ثم يُطلب من الجمهور أن يصدّق وجوده.

وإذا لم يكن موجودًا، فالسؤال يصبح أبسط وأقسى: من كتب "راجح" الجديد؟

في الحالتين، هناك مشكلة أمام نعيم قاسم.
إما أنه صدّق شخصية وهمية، وعندها يكون أمام قيادة تعتمد على معلومات لا تخضع لأبسط قواعد التحقق.
وإما أنه يعرف الحقيقة، لكنه يبيعها لجمهوره على أنها حقيقة، وعندها لا تكون المشكلة في "موشي يائير" أصلًا، بل في الثقة بين القائد ومن يقودهم.

وفي سياق قصة "موشي يائير" تستعيد إلى الأذهان واقعة مشابهة سبق أن أشار إليها الكاتب إيلي الحاج، عندما استند الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله إلى رسالة منسوبة إلى وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، موجّهة إلى ريمون إدّه، وقدّمها كدليل حاسم على أن واشنطن ضحّت بلبنان لمصلحة إسرائيل. لكن المفاجأة أن الصحافي سليم نصّار أعلن لاحقًا أن الرسالة لم تكن صادرة عن كيسنجر أصلًا، بل كانت من كتابته هو، بعدما لم يتلقَّ ردًا على الرسالة التي وجّهها إدّه إلى وزير الخارجية الأميركي، فكتب نصّار ردًا متخيّلًا على لسان كيسنجر ونشره في "الحوادث".

بين قائد يُضحك عليه وقائد يضحك على جمهوره، يبقى جمهور حزب الله أمام نتيجة واحدة: حين يصبح الوهم مصدرًا للخطاب السياسي، تتحول المقاومة من مشروع يُفترض أن يحمي الناس إلى مسرحية يحتاج جمهورها كل يوم إلى "راجح" جديد.