رسالة من مهسا أميني إلى علي خامنئي

يحاول ملالي طهران الخروج من محنتهم الداخلية وتحصين مواقعهم بعدما اهتزّت أسوار قصورهم بضربات "الموجات الثورية" التي تحوّلت إلى "طوفان حرّية" كاد يطيح حكمهم الجائر، ما فتح شهية النظام لسفك دماء الثوار في الساحات والشوارع على مرأى العالم بأسره، رغم التعتيم. أيادي حكام إيران الثيوقراطيين ملطّخة بدماء المعارضين منذ وضع المداميك الأولى للجمهورية الإسلامية. ليس غريبًا عليهم الدوس على جماجم شعوبهم وتسلّق جبال شاهقة منها للوصول إلى عرش الحكم أو الدفاع عنه. غاية الحفاظ على النظام الإسلامي وصونه، لطالما برّرت للملالي اعتماد كافة الوسائل القذرة وغير المشروعة، وما حصل هذا الشهر خير دليل على ذلك. لكن المعارضين المكلومين برحيل أحبابهم ورفاقهم على يد آلة الفتك والإعدامات، يجزمون بأن حسابهم مع نظام "آيات الله" لم ينتهِ.

فجّر مقتل الشابة الكردية مهسا أميني في 16 أيلول 2022 بسبب عدم وضعها الحجاب وفق معايير الجمهورية الإسلامية، "وعيًا ثقافيًا" لم تكن لديه تربة مجتمعية خصبة سابقًا كما هي الحال في السنوات الأخيرة، خصوصًا في أوساط الشباب الذين يريدون تحرير بلادهم من عقلية القرون الوسطى لكي تستطيع "إيران الجديدة" احتضانهم ثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، والاستفادة من طاقاتهم لإعادة بناء دولة على مستوى تحدّيات العصر. رغم رحيلها، ما زالت أميني تتكلّم اليوم بلسان شابات إيران وشبانها الثائرين ضدّ "الفاشية الدينية". تنطق أميني بلسان الحائزتين على جائزتي "نوبل للسلام"، الحقوقية شيرين عبادي، والمناضلة نرجس محمدي، المعتقلة ككثيرين غيرها ظلمًا، إضافة إلى الصحافية المعارضة في المنفى مسيح علي نجاد، التي تجهد لرفع صوت الإيرانيين المضطهدين عبر المنابر الإعلامية العالمية، وأوصلته الخميس الماضي إلى مسامع المجتمع الدولي خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن.

تتحدّث أميني باسم جميع الأحرار في إيران، موجّهة رسالة واضحة وحازمة للمرشد الأعلى علي خامنئي، مفادها أن ساعة رحيلك وسقوط نظامك الفاشل باتت أقرب من أي وقت مضى، ورهانك على أمبراطورية "الحرس الثوري" لن ينجح في كلّ مرّة، لأنها تتداعى وقدرتها على الصمود استحالت موضع تساؤل. لن يقف القمع والسجن والتعذيب والقتل، عائقًا في وجه الثائرين الذين يلتقطون أنفاسهم حاليًا بانتظار الفرصة السانحة لفرض "جولة ثورية" محدّثة تطالب بإسقاط النظام. هتف الإيرانيون في تظاهراتهم بشعارات جريئة تعبّر عن وجدانهم الجماعي وتطلّعاتهم، لعلّ أبرزها والتي تختصر هدف نضالهم بكلمتين: "الموت للديكتاتور"، في إشارة إلى خامنئي طبعًا. يدرك الإيرانيون أن "إصلاح النظام" أمر مستحيل، فهو بالنسبة إليهم كالسرطان الذي تفشى في الجسد الإيراني، ولا حلّ سوى باستئصاله من جذوره لإعطاء المريض فرصة للتعافي والانطلاق من جديد.

عندما اندلعت شرارة ثورة "المرأة، الحياة، الحرّية" عام 2022 تغيّر كلّ شيء في إيران. لم تعد إيران بعد مقتل أميني كما كانت بعد استيلاء "الثورة الإسلامية" على السلطة. أصبح حرق النساء والفتيات الإيرانيات لأقدس رموز النظام، أي "الحجاب الإسلامي"، "تراند" الحراك الثوري آنذاك، إلى جانب "تراند" إسقاط عمامات رجال الدين في الساحات العامة، فيما صار إشعال الحسناوات الإيرانيات سجائرهنّ بنيران صورة خامنئي المشتعلة "تراند" الثورة لعام 2026. هذا السلوك ليس تصرّفًا صبيانيًا أو تفصيلًا عابرًا، إنما "انقلاب مجتمعي" كامل الدسم على مفاهيم بات رافضوها يعتبرونها بالية. تجسّد هذه الأفعال واقعًا شعبيًا مستجدًا فرض نفسه على الأرض ويقاتل من أجل تغيير جوهري يهدف إلى التخلّص من نظام فاسد، واستبداله بآخر يكون منسجمًا مع التحوّلات العميقة التي طرأت على البنية السوسيوثقافية التحتية.

كان لافتًا حجم التكاتف والتعاضد بين المتظاهرين في إيران هذا الشهر، فقد فتح كثيرون بيوتهم لاستقبال المُطارَدين من أجهزة البطش، لإطعامهم وتقديم الرعاية الصحية لهم، إذ تفادى الكثير من المصابين الذهاب إلى المستشفيات خشية اعتقالهم. هذه الروح التضامنية الجماعية كفيلة وحدها برواية قصة شعب حيّ يكافح لنيل حرّيته. يؤكد المعارضون الإيرانيون أن تضحياتهم لن تذهب سدى، ويعتبرون أن النظام يخفي تصدّعاته، بيد أنه لن يتمكّن من ستر عوراته طويلًا، ولا بدّ من حصول انشقاقات مؤثرة في هيكل النظام في مراحل لاحقة. يطالب المعارضون بمساعدة خارجية تحميهم من "الجرائم ضدّ الإنسانية" التي ترتكب بحقهم، وهم على قناعة بأن واشنطن تعي أن سقوط النظام صاحب شعارَي "الموت لأميركا" و"أميركا الشيطان الأكبر"، يصبّ في مصلحتها ويعزز أمنها القومي.

لم يتفاجأ الإيرانيون بصمت غالبية "مثيري الفوضى" من اليساريين الليبراليين والكثير من "المنظمات الحقوقية" في الغرب تجاه قضيّتهم المحقة، بل حتى تبني قسم منهم لبروباغندا الملالي وأكاذيبهم. الحرائر الإيرانيات حوّلنَ ثورتهنَّ إلى إدانة أخلاقية صارخة لأبواق المعايير المزدوجة، فكشفنَ زيف الحركات النسوية الجوفاء وفضحنَ صمت ونفاق اليسار الساذج، وهنَّ يقدنَ نضالًا شجاعًا وخطرًا لإسقاط أعتى الطغاة. في نهاية المطاف، التافهون يظهرون كالفطريات على هامش الأحداث، بينما يواجه الحضاريون الأحرار قوى الشرّ، ويهزمونهم، ويشقون مسار التاريخ، ويساهمون في صناعته. يقف المعارضون الإيرانيون اليوم فوق رقعة "شطرنج التاريخ" على بُعد خطوات قليلة من دفع جلّاديهم نحو وضعية "كش مرشد".