رشميا تعتمد نموذج "الشبكات الكهربائية المصغّرة" لسدّ الفراغ الذي خلّفته مؤسسة كهرباء لبنان

في خطوة تعكس التحوّل المتسارع نحو حلول الطاقة اللامركزية في لبنان، بدأت بلدة رشميا في قضاء عاليه منذ شهر حزيران/يونيو إنتاج جزء من احتياجاتها الكهربائية عبر محطة للطاقة الشمسية بقدرة 256 كيلوواط ذروة، تديرها البلدية مباشرة. ويأتي المشروع ضمن توجهات وزارة الطاقة والمياه لدعم إنتاج الطاقة النظيفة على المستوى المحلي، في ظل العجز المزمن الذي تعانيه مؤسسة كهرباء لبنان.

وافتتح وزير الطاقة والمياه جو صدي المشروع في 21 حزيران، مؤكداً دعم الوزارة للمبادرات التي تعزز الإنتاج اللامركزي للطاقة المتجددة، فيما وصفت رئيسة بلدية رشميا داليا فرح المشروع بأنه تجربة رائدة، علماً أن البلدة تضم أيضاً إحدى المحطات الكهرومائية التابعة لمؤسسة كهرباء لبنان.

شبكة محلية خارج منظومة كهرباء لبنان

ما يميز مشروع رشميا أنه يعتمد نموذج "الشبكة الكهربائية المصغّرة" (Microgrid)، حيث تُوزَّع الكهرباء المولدة من الألواح الشمسية مباشرة على المشتركين عبر شبكة المولدات الخاصة التي تديرها البلدية، بدلاً من استخدام شبكة مؤسسة كهرباء لبنان.
ويشبه هذا النموذج عدداً محدوداً من المشاريع التي ظهرت خلال سنوات الأزمة، بينها مشروع في بلدة بشعلة في البقاع، ويهدف إلى توفير كهرباء أكثر استقراراً وبكلفة أقل للمواطنين.

أكثر من 200 مشترك

وأوضح أنطوان أبو فاياد، عضو لجنة الطاقة في رشميا ورئيس جمعية "نبض عاليه" التي أشرفت على تنفيذ المشروع، أن المحطة أُقيمت على مساحة تقارب ألفي متر مربع، وتنتج نحو 368 ألف كيلوواط ساعة سنوياً.

وتضم المحطة نظام تخزين بالبطاريات بسعة 240 كيلوواط ساعة، ما يسمح بتغذية أكثر من 200 مشترك، معظمهم من سكان البلدة إضافة إلى عدد من المؤسسات.

وتتقاضى البلدية حالياً 27 سنتاً أميركياً لكل كيلوواط ساعة، وهو سعر يجمع بين الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية وتلك المولدة بالديزل، ويعادل تقريباً التعرفة التي تعتمدها مؤسسة كهرباء لبنان للاستهلاك الذي يتجاوز 100 كيلوواط ساعة شهرياً، فيما تبقى أقل بنحو النصف من التعرفة الرسمية للمولدات الخاصة التي تحددها وزارة الطاقة.


ويجري تزويد البلدة بالكهرباء بالتناوب بين مؤسسة كهرباء لبنان والمولدات الخاصة والمحطة الشمسية، بحسب ساعات التغذية وحجم الطلب، ما يخفف الكلفة الإجمالية على المشتركين.

استثمار خاص بعقد BOT

بلغت كلفة المشروع نحو 400 ألف دولار، موّلها المستثمر جويل زكريا المرتبط بجمعية "نبض عاليه"، بموجب عقد BOT يمتد 13 عاماً، تنتقل بعد انتهائه ملكية المشروع وإيراداته إلى البلدية.
ثغرة قانونية
رغم نجاح المشروع عملياً، فإنه لا ينسجم بالكامل مع الإطار القانوني الحالي المنظم لقطاع الكهرباء، والمتمثل بالقانون رقم 462 لعام 2002 والقانون رقم 318 لعام 2023 الخاص بالإنتاج اللامركزي للطاقة المتجددة.

فالقوانين تسمح بإنشاء شبكات مصغّرة تقل قدرتها عن 1.5 ميغاواط دون الحاجة إلى ترخيص، لكنها تحصر توزيع الكهرباء بطريقتين فقط:
البيع المباشر لمستهلكين ضمن عقار مجاور.

ضخ الكهرباء في شبكة مؤسسة كهرباء لبنان لتقوم المؤسسة بإعادة توزيعها.

أما مشروع رشميا فيوزع الكهرباء مباشرة عبر شبكة المولدات الخاصة، وهو ما يجعله خارج النص القانوني، وإن كان يحظى بتسامح من وزارة الطاقة في ظل النقص الحاد في التغذية الكهربائية وارتفاع أسعار المحروقات.

وأشار خبير الطاقة مارك أيوب إلى أن معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت يعمل حالياً على إعداد خريطة شاملة لمشاريع الشبكات المصغّرة التي انتشرت في لبنان خلال السنوات الأخيرة، بعدما دفعت الأزمة الاقتصادية والانهيار الكهربائي إلى توسع غير مسبوق في استخدام الطاقة الشمسية.
سياسة جديدة لتنظيم الشبكات المصغّرة
ولم يطل الغموض بشأن موقف وزارة الطاقة من هذه المشاريع، إذ أقر مجلس الوزراء سياسة كهربائية جديدة أعدتها هيئة تنظيم قطاع الكهرباء، تتضمن للمرة الأولى إطاراً خاصاً بالشبكات المصغّرة، بما فيها تلك التي تعتمد شبكات توزيع مستقلة عن مؤسسة كهرباء لبنان.
وبحسب عضوة مجلس إدارة الهيئة سورينا مرتضى، فإن الهيئة لن تمنح تراخيص للمولدات الخاصة ولن تضفي عليها صفة قانونية، لكنها ستصدر ما يسمى "قرارات عدم الممانعة" (Non-Objection Decisions - NOD) لمشاريع الشبكات المصغّرة التي تسد النقص في إنتاج مؤسسة كهرباء لبنان.
شروط الحصول على "عدم ممانعة"

تشترط الهيئة للحصول على هذا القرار أن يكون المشروع:
في منطقة لا تستطيع مؤسسة كهرباء لبنان أو أي مشغل توزيع مستقبلي تأمين خدمة كهربائية كافية فيها.

قادراً على تحسين موثوقية التغذية أو توسيع الوصول إلى الكهرباء أو خفض كلفتها.
معتمداً بصورة أساسية على مصادر الطاقة المتجددة.
غير منشئ لشبكة موازية دائمة أو محتكر لتوزيع الكهرباء.

ذا طابع مؤقت ومحدود جغرافياً، على أن تُنقل منشآته مستقبلاً إلى مشغل شبكة التوزيع عندما يصبح القطاع العام قادراً على استلامها.

تحديات وفرص
ولم توضح الهيئة بعد الآلية التي سيتم من خلالها نقل هذه الأصول إلى مشغلي الشبكات مستقبلاً، وهو ما قد يثير تحفظات لدى المستثمرين.

في المقابل، يرى خبراء أن الشبكات المصغّرة توفر حلاً سريعاً لتعزيز إنتاج الكهرباء، في وقت يحتاج فيه تحديث معامل الإنتاج الوطنية إلى سنوات واستثمارات بمليارات الدولارات، كما يمكن أن تخفف الضغوط المالية عن مؤسسة كهرباء لبنان التي تراجعت إيراداتها نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب وارتفاع كلفة شراء الوقود.

ورغم السياسة الجديدة، تبدو جمعية "نبض عاليه" غير مقتنعة بأن إصلاح القطاع الرسمي سيتم قريباً، ولذلك بدأت بالفعل التحضير لتوسعة المحطة الشمسية في رشميا، في مؤشر على أن حلول الطاقة المحلية قد تتحول إلى خيار طويل الأمد في لبنان.