المصدر: المدن
الكاتب: خضر حسان
الخميس 25 حزيران 2026 11:48:06
يُخطىء من يظنّ أنّ مباريات كأس العالم تنحصر في حدود الدول المضيفة. ففي حين يراقص اللاعبون الكرة داخل الملعب، تتراقص أعصاب الجماهير من على مدرّجات الملاعب حتى آخر كرسيّ في مقهى يبعد مئات آلاف الكيلومترات جغرافياً. على أنّ الربح والخسارة في تلك المباريات، لا يقفان عند حدود الأهداف المسجّلة للمنتخبات المتنافسة، إذ للجماهير حصّتها أيضاً، عبر الرهانات المرتبطة بالمباريات، والتي يكسب منها البعض مئات وألوف الدولارات، ويخسرها البعض الآخر. على أنّ الرهانات تسلك حيناً طرقاً قانونية، وأحياناً تتلطّى خلف أزقّة إلكترونية غير قانونية.
دخول عالم الرهانات سهل
لحضور مباريات كأس العالم في المقاهي نكهة خاصة، إذ تعلو أصوات الجماهير ونسبة الأدرينالين لدى كلّ مشجّع. ومع كل هدف يُسَجَّل، يُطلَق سيل من الهتاف والشتائم، إذ تختلط فرحة الربح بأسف الخسارة، وبينهما، فرحة المراهنين بالحصول على المال وأسف بعضهم لفقدانه، ويعود ذلك إلى الرهانات. فكيف يحصل ذلك؟.
تسلك عملية الرهان على المباريات ثلاث طرق أساسية، أبسطها التحدّي بين شخصين أو أكثر بصورة مباشرة، حول نتيجة المباراة أو عدد ضربات الجزاء أو البطاقات الحمراء والصفراء، وما إلى ذلك من المحطّات المرتبطة بالمباراة. علماً أنّ هذه الطريقة "بدائية ولم تعد معتمدة كثيراً"، وفق ما يقوله أحد الوكلاء Agents الذين يعملون في المراهنات.
في الطريقة الثانية يتمّ الرهان "عبر تطبيق إلكتروني قانوني، هو في لبنان ينحصر بشركة "بت أرابيا" BET ARABIA المعتمدة من كازينو لبنان لإدارة ألعاب القمار والمراهنات الكترونياً. ويتم ذلك عبر فتح حساب بمبلغ معيّن يستعمل للرهان على أي حدث يتعلّق بالمباراة"، بحسب ما يقوله الوكيل في حديث لـ"المدن"، ويشير إلى أنّه "يمكن للمراهن أن يوزّع المبلغ المالي على أكثر من تفصيل يتعلّق بالمباراة الواحدة. فمثلاً، يمكنه الرهان بـ50 دولاراً على النتيجة النهائية، و20 دولاراً على لاعب معيّن لإحرازه هدفاً، أو 30 دولاراً لعدد البطاقات الحمراء أو 100 دولار لضربة جزاء... وهكذا على أي تفصيل آخر".
دخول عالم المراهنات ليس صعباً. فأبناء القرى والأحياء في المدن يعرفون بعضهم ويعرفون مَن هو الوكيل الذي يسهِّل العملية. والوكيل، هو شخص يدرك تفاصيل الدخول إلى المواقع الإلكترونية المعتمدة للرهانات. وهنا تبرز الطريقة الثالثة "والتي تختلط بين القانونية وغير القانونية". ويوضح الوكيل بأنّ "هناك مواقع إلكترونية عالمية تتيح لأيّ كان دخولها والتسجيل عبرها بمبالغ مالية محددة، وبعض تلك المواقع قانونية في دول معيّنة وغير قانونية في دول أخرى، لكنها تبقى متاحة للجميع عبر الانترنت".
والوكلاء هم خبراء في هذا المجال ويساعدون المراهنين على الدخول وإجراء عملية الرهان وصولاً إلى حصول المراهن على الأموال التي يكسبها، عن طريق شركات تحويل الأموال. ويلفت الوكيل النظر إلى أنّ "بعض المراهنين يفضّلون البقاء في الظل، أي أن لا يعرف المحيطون بهم أنّهم يراهنون في المباريات. وبعض هؤلاء يفضّلون الرهان عبر تطبيقات الكترونية أجنبية ويتّفقون مع الوكيل على صيغة للحصول على المال، بعيداً من التحويل بأسمائهم الفعلية. وأحياناً يفتح الوكيل حساباً باسمه وعندما يكسب المال، يعطيه نقداً للمراهن الذي بدوره يدفع قيمة الرهان نقداً للوكيل". على أنّه مهما اختلفت الطرق الالكترونية، فإنّها "تتبع سلسلة من المحطّات، تصل في نهايتها إلى الجهة المستفيدة. وفي الحالة القانونية في لبنان، تصل إلى كازينو لبنان، الذي تأتي بت أرابيا تحت سقفه، وتحتها يأتي وكيل رئيسي SuperAgent وبعده يأتي عدّة وكلاء ليس بالضرورة أن يكونوا معتمدين رسمياً من الشركة، لكنّهم بفعل خبرتهم في هذا المجال، يعتمدهم المراهنون ويُطلق عليهم اسم الوكلاء".
مستنقع ومؤامرات
الخروج من عالم المراهنات ليس بسهولة دخوله الذي يبدأ في الكثير من الأحيان بحب المغامرة والتجربة التي لا تقف عند فئة عمرية محددة. ومع ذلك، فإنّ "أبرز من ينجذب للرهانات هم المراهقون ومَن هم في مطلع العشرينيات من العمر. إذ أنّ حماستهم للرهان بلا حدود، وهؤلاء أكثر مَن يغرق في مستنقع الخسارة، لأنّهم لا يتقبّلونها. فمع كلّ خسارة، تزيد شهيّتهم للرهان ولمضاعفة المبلغ، بهدف تعويض الخسارة السابقة، وتتكرّر الخسائر ويسقط هؤلاء في دوامة الديون التي تمنع الخاسر من الخروج بسهولة من عالم المراهنات".
تساعد الأزمة الاقتصادية وحالة الحرب في لبنان، على غرق المراهقين والشباب في وحل الرهانات. فالكثير من الشبّان عاطلون عن العمل إما على شكل بطالة مباشرة أو مستترة. ففي أحسن الأحوال يعمل بعضهم لقاء 300 أو 400 دولار شهرياً "ويسمعون أحد المراهنين في المقهى يقول بأنّه ربح 500 دولار في مباراة واحدة، فيشكّل ذلك حافزاً لكسب المزيد من المال، فتبدأ رحلة الرهان ومستنقع الديون". ويوضح الوكيل بأنّ هذه المشكلة "غير موجودة عند مَن هم في سنّ الأربعين وما فوق. فالغالبية العظمى منهم يدركون مخاطر هذا الطريق، ويضعون لأنفسهم حدوداً للرهانات، فإن خسروا مبلغاً معيّناً، لا يستمرون بالرهان بمبالغ أكبر طمعاً بتعويض الخسارة. وهنا يصحّ وصف هؤلاء بأنّهم يراهنون بهدف التسلية، وبمبالغ مالية قليلة تفيض عن حاجتهم. إذ يعطون الأولوية لشراء الحاجات الأساسية للعائلة".
تجربة شخصية
يوافق حيدر، الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، أنّ طريق الرهانات "صعب، ولا يمكن التحكّم بنتائجه بسهولة"، بحسب ما يقوله في حديث لـ"المدن". وتأتي هذه الخلاصة من تجربة شخصية، غرق خلالها بـ"10 آلاف دولار من الديون، بدأت بخسارة 200 دولار. ومع كل محاولة للتعويض، كانت الخسائر تتراكم". على أنّ برّ الأمان لم يأتِ إلاّ مصادفة بعد "ربح نحو 4 آلاف دولار، ومصارحة الأهل بالمشكلة، فساعدوني في سداد المبلغ الذي كنت استدينه من الأصدقاء وبعض الوكلاء الذين يقرضون المال للرهان بفوائد مرتفعة، وهذا هو السبب الرئيسي لمراكمة الديون".
وهنا، يسلّط حيدر الضوء على "سلسلة من الوكلاء الذين يمسكون مفاصل الرهانات في المقاهي، ولا يمكن التحرّر منهم أو مواجهتهم لأنّهم يتمتّعون بغطاء حزبي أحياناً أو غطاء سلطوي على أرض الواقع يفرضونه بعضلاتهم وسلاحهم وقدرتهم على تجييش شبّان يتعرّضون بالضرب لكل شخص يتأخّر بدفع المال وفوائده التي تتخطّى أحياناً نسبة 100 بالمئة من المبلغ المقترَض".
ورغم صعوبة المشهد، يبقى هناك ما هو أصعب. إذ يتخطّى مسار الرهانات الأموال التي يرميها المراهنون في الشوارع، ليصل إلى "كبار المراهنين حول العالم، ومن بينهم رجال أعمال وشركات مراهنات كبرى تتحكّم حتّى في نتائج مباريات كأس العالم"، بحسب الوكيل الذي يقول إنّ "مليارات الدولارات تُنفَق حول العالم في مراهنات يديرها الكبار الذين لا يعيرون اهتماماً كبيراً بكرة القدم بحدّ ذاتها، بل بما يمكن أن تحقّقه من أرباح مالية، أو من كونها وسيلة لتحطيم الخصوم".
رهانات كأس العالم ليست لعبة بين شخصين أو بضعة هواة، بل هي عالم موازٍ يتخطّى الجانب المنظور من المباريات وهتاف المشجّعين في الملاعب والمقاهي والشوارع. هي "مُرّ مغلَّف بحلاوة ينتشر في المجتمع. لذلك هي ليست أزمة أفراد بل أجيال، خصوصاً الجيل الجديد الذي يعاني الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ويجد في الرهانات باباً للهروب. لكن للأسف يتحوّل الهروب أحياناً إلى مأزق خطر من الديون والملاحقات والمشاكل".