المصدر: eremnews
الكاتب: عصام العبيدي
الثلاثاء 30 حزيران 2026 17:01:29
دخلت حملة الاعتقالات التي تقودها حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ضد متهمين بملفات فساد مرحلة سياسية جديدة، بعدما تحولت إلى قضية تكاد تجمع عليها مختلف القوى العراقية، في مشهد نادر داخل الساحة السياسية التي اعتادت الانقسام حول معظم الملفات.
ويرى مختصون أن مكافحة الفساد أصبحت اليوم "القاسم المشترك" الوحيد الذي يصعب على أي طرف معارضته علنًا، خشية أن يتهم بالدفاع عن الفاسدين أو توفير الغطاء لهم، وهو ما منح الحكومة هامشًا سياسيًا واسعًا لمواصلة حملتها.
ويأتي ذلك بعدما جدد الإطار التنسيقي، خلال اجتماعه الدوري بحضور رئيس الوزراء، دعمه الكامل لما وصفها بـ"عملية صولة الفجر"، مؤكدًا مساندته للخطوات الحكومية والقضائية الرامية إلى محاربة الفساد، والداعي إلى استدامة تلك الجهود وتطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين والمقصرين ووقف هدر المال العام، معتبرًا أن هذه الإجراءات تمثل مدخلًا لاستعادة ثقة العراقيين بالعملية السياسية.
تأييد واسع.. إلى متى؟
ولا يقتصر المشهد على قوى الإطار وحدها، إذ إن غالبية القوى السياسية الأخرى التزمت الصمت أو أصدرت مواقف مؤيدة لمبدأ مكافحة الفساد، بينما غابت تقريبًا الأصوات الرافضة للحملة، وهو ما يراه متابعون مؤشرًا على تبدل قواعد الاشتباك السياسي، بعدما أصبح ملف الفساد يمثل القضية الأكثر أهمية أمام الرأي العام، ولم يعد الاعتراض عليه خيارًا سهلًا لأي حزب أو كتلة سياسية.
بدورها، قالت النائب السابقة سوزان منصور لـ"إرم نيوز" إن "حملة مكافحة الفساد نجحت في خلق حالة نادرة من التوافق، إذ أصبح الوقوف ضد الفساد القاسم المشترك على المستويين السياسي والشعبي، ولم يعد بمقدور أي جهة أن تعارض هذه الإجراءات أو تشكك بها من دون أن تُتهم بالدفاع عن الفاسدين".
وأضافت لـ"إرم نيوز" أن "هذا التوافق يمنح جهات إنفاذ القانون والقضاء والأجهزة الرقابية زخمًا أكبر للمضي في ملاحقة المتورطين، كما سيمنح مجلس النواب قوة إضافية خلال فصله التشريعي الجديد لتشريع القوانين الداعمة لمكافحة الفساد وممارسة دوره الرقابي بصورة أكثر فاعلية".
وأكدت أن "معيار (من أين لك هذا) يمثل الطريق الحقيقي للوصول إلى الفاسدين، فالمسؤول الذي دخل المنصب بإمكانات متواضعة ثم أصبح يمتلك عشرات العقارات والمزارع والسيارات الفارهة يجب أن يخضع للمساءلة القانونية"، معتبرة أن ما "تشهده البلاد اليوم يمثل انقلابًا ضد الفساد.
وانطلقت الحملة فجر الأحد، عندما نفذت قوات من جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي، بإسناد من تشكيلات أمنية خاصة، عملية واسعة داخل المنطقة الخضراء وعدد من مناطق بغداد، استهدفت تنفيذ أوامر قبض وتفتيش بحق نواب وسياسيين ومسؤولين سابقين متهمين بملفات فساد، في أكبر حملة من نوعها منذ سنوات.
تحقيقات الجميلي
وجاءت الحملة بعد أيام من اعتقال وكيل وزير النفط السابق عدنان الجميلي، إذ قادت التحقيقات والاعترافات الأولية إلى إصدار أوامر قضائية جديدة بحق شخصيات سياسية وتنفيذية، فيما أعلن مجلس القضاء الأعلى لاحقًا ضبط مبالغ مالية بلغت 11 مليون دولار و4 مليارات دينار، فضلًا عن عدد من العقارات، مع تأكيد استمرار التحقيقات.
وأظهرت قائمة المشمولين بالإجراءات القضائية أن القسم الأكبر من الاعتقالات طال شخصيات ونوابًا من المكون السني، في حين اقتصرت داخل البيت الشيعي على شخصيات محسوبة على ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، الأمر الذي أثار نقاشات سياسية بشأن مسار الحملة وحدودها، رغم تأكيد الحكومة والقضاء أن الإجراءات تستند إلى التحقيقات والأدلة بعيدًا عن الانتماءات السياسية والطائفية.
في المقابل، قال سياسي مقرب من الحكومة العراقية، لـ"إرم نيوز"، إن "الحملة لم تقتصر آثارها على ملاحقة المتهمين، بل دفعت معظم القوى السياسية إلى إعادة حساباتها في التعامل مع ملفات الفساد، بعدما أصبح هذا الملف تحت رقابة الرأي العام بصورة غير مسبوقة".
وأضاف السياسي الذي طلب حجب هويته، أن "الأحزاب العراقية باتت أكثر حذرًا في التعاطي مع هذا الملف، ولذلك فضلت غالبية القوى دعم الإجراءات أو التزام الصمت، بدلًا من الدخول في مواجهة مع الحكومة حول قضية تحظى بتأييد شعبي واسع".
ولفت إلى أن هذا المناخ منح السلطة التنفيذية فرصة نادرة للتحرك سياسيًا وقضائيًا دون أن تواجه اعتراضات علنية بالحجم الذي كان يحدث في ملفات أخرى".
ويعتقد مراقبون أن استمرار هذا الإجماع سيبقى مرهونًا باتجاهات التحقيقات المقبلة، ولا سيما إذا وصلت إلى شخصيات أكثر نفوذًا أو مست قوى سياسية تمتلك حضورًا مؤثرًا داخل المشهد العراقي، إذ قد يتحول التوافق الحالي إلى اختبار حقيقي لمدى استعداد القوى السياسية لقبول مبدأ المحاسبة عندما تقترب من قياداتها.