الأحد 17 تموز 2022

02:15

زيادة أجور القضاة تثير حفيظة باقي موظفي القطاع العام في لبنان

المصدر: independent arabia
الكاتب: بشير مصطفى

كتب بشير مصطفى في اندبندنت عربية: أثار قرار مصرف لبنان المركزي رفع أجور السلك القضائي، واحتساب معاشات القضاة وفق سعر صرف 8 آلاف ليرة مقابل الدولار (لا يزال السعر الرسمي عند 1515 ليرة)، سجالاً كبيراً في البلاد التي تشهد انهياراً مالياً واقتصادياً وإضراباً مفتوحاً ينفذه موظفو القطاع العام، وصولاً إلى إنصافهم وتحسين أوضاعهم السيئة. فمن ناحية، اعتبر هذا القرار بمثابة تصحيح جزئي لأجور القضاة بانتظار التصحيح التام، في حين تعرض المصرف المركزي لانتقادات شديدة لما لهذا القرار من آثار سلبية عامة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، كما لم يسلم القضاة من هذه الانتقادات لناحية القبول باستثنائهم بهذا الامتياز بخلاف باقي موظفي الدولة.
 
نهاية التعثر القضائي
 
ويعاني القضاء في لبنان منذ أشهر، من شبه شلل بسبب ارتفاع تكاليف النقل مع رفع الدعم عن المحروقات، إضافة إلى غياب الظروف الملائمة ليمارس القضاة مهامهم ضمن قصور العدل بدءاً بانقطاع الكهرباء وفقدان المقومات الأساسية كالقرطاسية والحبر والأوراق، ناهيك بانهيار قيمة الأجور إلى مستويات قياسية، وعدم انتظام الدوام الرسمي وغياب الدافع للعمل.
وجاء قرار "مصرف لبنان" ليضاعف مقدار الأجور التي يتقاضاها القضاة وفق 8 آلاف ليرة للدولار عوضاً عن 1515 ليرة لبنانية. فعلى سبيل المثال، إذ كان قاضٍ يتقاضى راتباً تبلغ قميته 6 ملايين ليرة، تقسم على 1500 ليرة، فينتج 4 آلاف دولار، وهذا المبلغ يضرب بـ8 آلاف ليصبح أجر القاضي 32 مليون ليرة لبنانية.
وكشف مرجع قضائي لـ"اندبندنت عربية" عن البدء بتنفيذ القرار، لافتاً إلى أن "هذا الإجراء يثير بعض الإشكالات التي قد تؤدي إلى إلغائه"، مضيفاً، "لا شك أن دفع الرواتب بهذه الطريقة سيؤدي إلى تنشيط العمل القضائي".
 
شرخ داخل القطاع العام
 
وأدى هذا الإجراء إلى بروز شرخ في صفوف القطاع العام، فكان النقد شديداً لتمييز القضاء عن باقي أفراد القطاع العام من موظفي إدارات رسمية، إلى الأساتذة الجامعيين وفي المدارس الرسمية، والأسلاك العامة الأخرى الذين يشكلون البنية الأساسية لاستمرار الدولة في تنفيذ مهامها. واختلفت النظرة داخل القطاع العام إلى هذا الإجراء، فمنهم من طالب بالمساواة الفورية مع القضاة، بينما دعا آخرون إلى أن يكون إجراء مؤقتاً نظراً إلى آثاره الكارثية في غياب الإصلاح والتمويل، وصولاً إلى إنصاف فئات محددة تعتبر الأكثر ضعفاً كالأجراء الدائمين في الدولة اللبنانية لأنهم "لم ينالوا في الأصل سلسلة الرتب والرواتب في عام 2017، والتي ضاعفت أجور موظفي القطاع العام آنذاك".
 

وتشير الإحصائيات إلى وجود 1500 أجير دائم في إدارات الدولة اللبنانية، تبدأ أجورهم من 950 ألف ليرة إلى مليون و500 ألف ليرة كحد أقصى بعد 40 سنة خدمة. كذلك يوجد 3500 متعاقد من فئات متعددة، إلى جانب 10 إجراء مثبتين تتراوح أجورهم بين مليون و700 ألف ليرة إلى 3 ملايين ليرة لبنانية، و15 ألف إداري موظف، إضافة إلى العسكريين والجهاز التعليمي. هذه الفئات تآكلت أجورها بفعل التضخم، وانهيار سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار.
من جهتها، طالبت رئيسة رابطة موظفي القطاع العام، نوال نصر، بمساواة الموظفين مع القضاة الذين "في الأساس رواتبهم عالية"، مشيرةً إلى أن القبول بطريقة هكذه للاحتساب هي "تنازل كبير من موظفي الإدارة العامة". وأضافت نصر أن "شريحة كبيرة من الموظفين تصل إلى 85 في المئة تتقاضى من مليون إلى مليوني ليرة كحد أقصى، وهؤلاء إذا ما حولت رواتبهم إلى دولار 8 آلاف ليرة لبنانية، لن تكون الحصيلة أكثر من 150 أو 300 دولار أميركي، أي ما بين 5 و10 ملايين ليرة، وهذا لا يلامس نصف أو ربع الحد الأدنى الفعلي للأجور". واستغربت نصر، "كيف رفضت الدولة اعتماد هذا المبدأ بالنسبة إلى ذوي الرواتب شبه المعدومة بينما تم تطبيقها على القضاة"، كما طالبت رابطة موظفي الدولة بـ"تأمين قسائم بنزين تحدد كمياتها وفقاً للمسافات التي يقطعها الموظفون، علماً بأن هذا النظام مطبق بالنسبة للأسلاك العسكرية".
وأكدت نصر أن موظفي القطاع العام "يقدمون تضحيات باللحم الحي، ويعطون الأولوية للخدمة العامة على الرغم من الصعوبات، فعلى سبيل المثال استمر موظفو وزارة الصحة بالعمل من أجل تأمين أدوية السرطان والاستشفاء". ويشكل هؤلاء نموذجاً يتكرر في أوساط موظفي الإدارات الرسمية.

كرة الثلج ستكبر

ويبقى السؤال عن تأثير هذا الإجراء على المالية العامة لعدم تكرار سوء التقديرات التي رافقت إقرار سلسلة الرتب والرواتب. ويقدر الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين عدد موظفي القطاع العام في لبنان بـ300 ألف موظف، تبلغ تكلفة أجورهم 8 آلاف مليار ليرة لبنانية، وسترتفع في حال اعتماد دولار 8 آلاف ليرة إلى ما يزيد على 42 ألف مليار ليرة لبنانية سنوياً، ما سيتسبب بتضخم كبير.
ويشبه الباحث الاقتصادي، باتريك مارديني، ما يجري من رفع أجور لبعض شرائح القطاع العام بـ"كرة الثلج التي تكبر تدريجياً لأنها تبدأ في قطاعات معينة قبل تعميمها على باقي القطاعات في حال اتباع هذا المسار". ويقر مارديني بأن "الوضع الاقتصادي سيئ، ولا بد من زيادة مداخيل المواطنين، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سيؤدي رفع الأجور إلى زيادة الدخل أم سيسيء إلى مدخولهم؟"، مرجحاً بأن "الأثر السلبي سيفوق الأثر الإيجابي لأسباب متعددة، يأتي في مقدمتها عدم امتلاك الدولة اللبنانية للمداخيل، كما أن البلاد تعاني عجزاً في الموازنة العامة، وليس لديها واردات كافية لتأمين النفقات الحالية بسبب ضعف الجبايات من الضرائب، والرسوم والجمارك واتساع الهدر، والتهرب الضريبي، فكيف الحال بها في حال إقرار الزيادة؟".
وتحدث مارديني عن "عدم انضباط عملية التوظيف في الإدارة العامة اللبنانية، التي كانت تتم وفق المحسوبيات، وهذا شكل من أشكال الهدر"، موضحاً، "كانت الدولة اللبنانية تغطي العجز من خلال الاستدانة من الأسواق المالية الدولية أو من المصارف المحلية (المودعين)، إلا أن هذه الأبواب أوصدت بوجهها بسبب التخلف عن سداد اليوروبوند في الأسواق الدولية، وحالة العجز التي تعانيها والتخلف عن رد أموال المودعين".
ونبه مارديني إلى أن سبب انهيار سعر صرف الليرة هو "وجود العجز وعدم قدرة الحكومة على تمويله"، لذلك كانت تمول العجز عن طريق زيادة الكتلة النقدية"، لافتاً إلى أن "الكتلة النقدية زادت سبعة أضعاف بالليرة اللبنانية منذ بدء الأزمة، وهذا ما يسبب التضخم". ليخلص إلى أن "الدولة اللبنانية كانت تطبع الليرة لتغطية النفقات، ما أدى إلى التضخم، وارتفاع سعر صرف الدولار، وانهيار الليرة اللبنانية. وعليه فإن أي زيادة، سواء اتخذت شكل الزيادة على الأجور أو غير ذلك ستؤدي إلى مزيد من انهيار سعر صرف الليرة والتضخم، وعندها لن يستفيد الموظف في القطاع العام"، متسائلاً "ماذا تنفع الموظف زيادة الأجور بنسبة 50 في المئة مثلاً، في موازاة ارتفاع الأسعار 70 في المئة؟ فهو سيكون الخاسر في النهاية". واعتبر مارديني أن "مطالبة حكومة لا تمتلك مداخيل بزيادات على الأجور ليست ذات فائدة، خاصة إذا كانت عن طريق التضخم لأن مساوئها ستكون على الناس أكثر من منافعها، لا بل قد تضعف القدرة الشرائية للمواطنين".

X