المصدر: نداء الوطن
الأربعاء 29 تموز 2026 07:21:36
كلما احتاجت الدولة الى انفاق اضافي، يُعاد طرح مسألة تحسين جباية الضرائب، بحيث تحول هذا الملف الحيوي، الى مجرد شعار يتكرّر عبر السنوات. ومن خلال الأرقام والمقارنات، يتبين ان هذه القضية اساسية، وينبغي أن تُعالج بمنهجية، بصرف النظر عن ضغوطات الانفاق الاضافي، التي تظهر من حين الى آخر.
في الآونة الأخيرة، طفت الى السطح مسألتان تحتاجان الى اموال اضافية في الموازنة. المسألة الاولى تتعلق بضرورة تحسين رواتب موظفي القطاع العام (عسكر ومدنيون) من خلال منحهم ما يوازي 6 رواتب اضافية. وقد تبين ان كلفة هذا التحسين، مع الاضافات التي طرأت من خلال توسعة مروحة التقديمات، تصل الى 800 مليون دولار. المسألة الثانية تتعلّق بالتزام الدولة بدفع جزء من ديونها لمعالجة قضية المودعين. وفي هذا الاطار، يبرز اقتراح يقضي بأن تتعهد الدولة بدفع الفوائد على جزء من ديونها فقط، من دون أن تضطر الى دفع أصل هذا الدين. وقُدّرت تكلفة الفوائد بـ 600 مليون دولار سنويا. اذا جمعنا المبلغين، تكون الدولة بحاجة الى انفاق اضافي بحوالي مليار و400 مليون دولار سنويا.
هنا يبرز السؤال المتعلق بقضية التهرّب الضريبي والاقتصاد الاسود. فهل يمكن تأمين هذا المبلغ من خلال معالجة فجوة التهرّب الضريبي؟ والسؤال الأهم، هل يجوز اهمال ايرادات بهذا الحجم، بصرف النظر عن وجهة اتفاق هذه الايرادات؟ وهل من المسموح حرمان الموظفين من حقوقهم، وحرمان المودعين من اموالهم، لأن الدولة عاجزة عن معالجة التهرّب الضريبي، وهو على بُعد خطوة، ولا يحتاج سوى الى قرار في هذا الاتجاه؟
من خلال الأرقام والمقارنات، يمكن استخلاص حجم التهرّب الضريبي القائم في لبنان، ومن خلال دراسة تجارب دول أخرى، يمكن استنباط الوسائل المطلوبة للوصول الى خطة المعالجة.
من أبرز النماذج في موضوع مكافحة التهرب الضريبي، تبرز اليونان. اولا، لأنها عانت من انهيار مالي في العام 2010ـ اي قبل حوالي 9 سنوات من الانهيار في لبنان، وثانيا، لأن نسبة التهرّب الضريبي كانت مرتفعة، وثالثا لأن النتائج التي توصلت اليها اليونان، تستحق التوقّف عندها.
تجربة اليونان تظهر أن مكافحة التهرب الضريبي قد تدرّ مليارات الدولارات... ولبنان لا يزال من بين أضعف الدول في الجباية.
بينما ينشغل لبنان بإعداد قانون الفجوة المالية وتوزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين، يغيب سؤال أساسي عن النقاش: هل استنفدت الدولة كل الوسائل القانونية لزيادة إيراداتها قبل مطالبة الآخرين بتحمل الخسائر؟
الجواب، وفق معظم المؤشرات المحلية والدولية، هو لا.
المالية العامة اللبنانية لا تعاني فقط من انخفاض النشاط الاقتصادي، بل أيضاً من ضعف مزمن في تحصيل الضرائب، وارتفاع معدلات التهرب الضريبي والجمركي، واتساع الاقتصاد النقدي، ما يحرم الخزينة من مليارات الدولارات سنوياً.
في المقابل، تقدم اليونان نموذجاً مختلفاً تماماً. الدولة التي كانت قبل خمسة عشر عاماً على حافة الإفلاس، أصبحت اليوم تحقق فوائض مالية مرتفعة، بعدما نجحت في تحويل إدارة الضرائب إلى أحد أهم مصادر قوة اقتصادها.
من الإفلاس إلى الفائض
في عام 2010 اضطرت اليونان إلى طلب برنامج إنقاذ دولي بعد أن فقدت القدرة على الاقتراض. وكانت الإيرادات الضريبية تعاني مشكلات مشابهة لما يشهده لبنان اليوم: تهرب ضريبي واسع، تدخلات سياسية، ضعف الإدارة، وتراجع الثقة بالدولة.
لكن بدلاً من الاكتفاء برفع الضرائب، ركزت الحكومة اليونانية على رفع نسبة التحصيل.
بدأت بإعادة تنظيم الإدارة الضريبية، ثم أنشأت هيئة مستقلة للإيرادات، قبل أن تنتقل إلى الرقمنة الكاملة، وربط الفواتير الإلكترونية بأجهزة نقاط البيع، واستخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لاكتشاف حالات التهرب.
والنتيجة كانت لافتة.
بحسب صندوق النقد الدولي، ارتفع الفائض الأولي إلى نحو 5% من الناتج المحلي، بينما تراجعت نسبة الدين العام بنحو 65 نقطة مئوية منذ عام 2020.
لكن الرقم الأكثر دلالة يتعلق بضريبة القيمة المضافة. فقد ارتفعت إيرادات TVA من 7.1% من الناتج المحلي سنة 2010 إلى نحو 9.5% عام 2025، أي بزيادة تعادل 2.4 نقطة مئوية من الناتج، ليس نتيجة رفع الضريبة، وإنما نتيجة تحسين التحصيل وتقليص التهرب.
ماذا تعني هذه الأرقام للبنان؟
إذا طبقنا المنطق نفسه على الاقتصاد اللبناني، تظهر صورة مختلفة تماماً. فإيرادات الدولة الضريبية لا تزال تدور حول 10 إلى 12% من الناتج المحلي، وهي من أدنى النسب في المنطقة، بينما تتجاوز في اليونان 27%، وفي معظم الدول الأوروبية 35%.
وباحتساب ناتج محلي يقارب 35 مليار دولار، فإن كل نقطة مئوية إضافية من الإيرادات الضريبية تعني نحو 350 مليون دولار سنوياً.
أي أن رفع نسبة الإيرادات الضريبية خمس نقاط مئوية فقط، من خلال مكافحة التهرب وتحسين التحصيل، يمكن أن يؤمن حوالي 1.8 مليار دولار سنوياً للخزينة.
هذا المبلغ يكفي ويفيض عن المبلغ المطلوب لزيادة الرواتب، وضمان دفع خصة الدولة في مشروع اعادة الودائع.
المشكلة ليست الضرائب... بل الجباية
في لبنان، لا يشكو القطاع الخاص من انخفاض معدلات الضرائب بقدر ما يشكو من غياب العدالة الضريبية. فالملتزم يدفع، بينما يتمكن المتهرب من الإفلات.
كما أن الاقتصاد النقدي توسع بصورة غير مسبوقة بعد عام 2019، ما جعل جزءاً كبيراً من العمليات التجارية يتم خارج الرقابة الضريبية.
ويضاف إلى ذلك التهريب عبر المعابر، وضعف الرقابة الجمركية، وعدم اكتمال الفوترة الإلكترونية، فضلاً عن محدودية استخدام تحليل البيانات في التدقيق الضريبي.
ثلاثة دروس للبنان
تجربة اليونان تقدم ثلاثة دروس واضحة.
أولاً، لا يمكن إصلاح المالية العامة قبل إصلاح الإدارة الضريبية.
ثانياً، الرقمنة لا تحقق نتائج إذا بقيت الإدارة خاضعة للتدخلات السياسية.
ثالثاً، استقلالية الإدارة الضريبية ليست مطلباً إدارياً فقط، بل شرط أساسي لزيادة الإيرادات.
ولهذا السبب، قد لا يكون أهم درس تقدمه اليونان للبنان هو كيفية معالجة الدين العام، بل كيفية بناء إدارة ضريبية قادرة على تحصيل حقوق الدولة. فمن دون مالية عامة قوية، لن تنجح أي خطة لإعادة الودائع، ولن تستعيد الدولة ثقة اللبنانيين أو المجتمع الدولي.
