المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الاثنين 5 كانون الثاني 2026 07:19:06
يتجه ملف الاستشفاء في لبنان إلى جولة جديدة من التصعيد، تعيد فتح ملف العلاقة المأزومة بين المستشفيات وشركات التأمين، وتضع المواطن مجددا في موقع الحلقة الأضعف، وسط غياب ضوابط واضحة. فمع استعداد عدد من المستشفيات لفرض زيادة بنسبة 15% على تعرفاتها في السنة الجديدة، تصر جمعية شركات التأمين على رفض هذا المسار، وسط تحذيرات من تداعياته على التغطية الصحية وعدد المؤمنين، في بلد لم يتعافَ بعد من تداعيات أزمة 2019.
تعكس الأرقام حجم الأزمة، إذ تراجع عدد المؤمنين في فرع الاستشفاء من نحو 600 ألف قبل الأزمة إلى نحو 400 ألف بعدها، وفق تقديرات أولية. ومع ارتفاع معدلات الأمراض وكلفة العلاجات، ولاسيما السرطانية منها، إضافة إلى الأعباء المرتبطة بالأوبئة، يبدو القطاع الصحي أمام مفترق دقيق، حيث لم تعد أي زيادة غير مدروسة قابلة للاستيعاب، لا ماليا ولا اجتماعيا.
رئيس لجنة مراقبة هيئات الضمان نديم حداد يضع الملف في خانة الأزمات المزمنة، المطروحة منذ أعوام على طاولة النقاش مع الجهات المعنية، وفي مقدمها وزارة الصحة. وفي رأيه أن الارتفاع المستمر في فواتير الاستشفاء بات ينعكس تلقائيا على كلفة شركات التأمين وأقساط المؤمّنين. بيد أن جوهر المشكلة يتجاوز غلاء المعيشة وارتفاع كلفة الخدمات، ليصيب مباشرة الرقابة الرسمية الفعلية على تعرفة المستشفيات.
ووفق حداد، فإن الزيادة العامة بنسبة 15% التي يطالب بها بعض المستشفيات تفتقر إلى أي تبرير علمي أو مالي واضح، في غياب جهة تمتلك الصلاحية لمساءلة المستشفيات أو التدقيق في أسعارها، بعكس شركات التأمين التي تخضع لتدقيق ومحاسبة دائمين. هذا الواقع، وفق تقييمه، يؤدي إلى ارتفاع نسبة الخسائر في التأمين الصحي (Loss Ratio)، وهو ما أدخل عددا من الشركات في دائرة الخسائر، كما تعكسه التقارير المالية.
يربط حداد الارتفاع أيضا بغياب الرقابة على أسعار الأطراف الاصطناعية والمستلزمات الطبية المستوردة، وبضبابية الجهة التي تحدد نسب الزيادات السنوية أو تراقب آليات الاستيراد والتسعير والدعم. وفي ظل هذا الخلل، يعتبر أن تحميل المواطن كلفة هذه السلسلة غير المنضبطة بات أمرا غير قابل للاستمرار، وخصوصا مع التراجع الحاد في القدرة الشرائية.
وإذ يرفض حداد تمرير زيادة بنسبة 15% على تعرفات المستشفيات، يضع سقفا بديلا من أي زيادة محتملة لا يتجاوز 3 إلى 4% حدّا أقصى. ففرض زيادة 15%، وفق مقاربته، سينعكس حكما على أقساط التأمين، ويدخل القطاع في حلقة مفرغة يدفع ثمنها المواطن وحده، ما يعجّل في خروج فئة إضافية من اللبنانيين من مظلة التأمين الصحي.
اجتماع تشاوري للشركات
طلب المستشفيات زيادة الأسعار بنسبة 15% ليس جديدا. إذ يؤكد رئيس جمعية شركات الضمان أسعد ميرزا أنه مستمر منذ أكثر من 7 أشهر، من دون أن يترافق مع أي خطوات جدية لضبط الأسعار، ولاسيما في ما يتعلق بالأطراف الاصطناعية والمرشدين. ويُبرز في هذا السياق الفجوة الكبيرة في أسعار بعض الأطراف "البروتيز"، التي تُستورد بألف دولار وتباع بـ5 أو 6 آلاف دولار، نتيجة تقاسم الأرباح بين الطبيب والمستشفى، ما يجعل الكلفة النهائية "باهظة وغير مبررة".
ولا يخفي ميرزا أن الجمعية درست إقرار زيادة محدودة لا تتجاوز 5%، "لكنها أحجمت عن تنفيذها قبل التدقيق ومراقبة جميع عناصر الكلفة، في ظل عجز فئة واسعة من المواطنين عن تحمل أي أعباء إضافية"، لافتا إلى أن "المستشفيات الجامعية فرضت زيادات لا تتعدى نسبتها الـ 3%، وهو أمر يمكن شركات التأمين تحمّله من دون تكليف المواطنين. إلا أن نسبة الـ 15% التي تطالب بها بقية المستشفيات ستؤذي القطاع، ولن نرضى بها".
ويشير في هذا السياق إلى محاولات بعض المستشفيات "رفض أمر واقع عبر التفاوض المنفرد مع كل شركة تأمين، وهو مسار ترفضه الجمعية، انطلاقا من ضرورة التفاوض على نحو جماعي ومنظم".
ومع اقتراب اجتماع مرتقب لجمعية شركات الضمان الأسبوع المقبل للخروج بقرار موحد، ثمة سؤال عن إمكان تحميل المستشفيات المرضى نسبة الـ15.
"النهار" حاولت الاتصال بنقيب أصحاب المستشفيات الخاصة بيار يارد من دون جدوى، فيما أكد ميرزا أن المستشفيات حاولت فرض هذا الواقع على المرضى منذ أعوام من دون أن تنجح، خصوصا في ظل تراجع القدرة الشرائية للبنانيين.
توازيا، تسجل ممارسات لدى بعض المستشفيات، تحت عنوان "اعتماد أحدث التقنيات الطبية"، تؤدي إلى تحميل شركات الضمان ومضمونيها نفقات مرتفعة جدا، بما ينعكس سلبا على نتائج قطاع التأمين الاستشفائي وعلى الأموال الخاصة للمضمونين. ووفق مقاربة شركات التأمين، هناك استغلال في غرف الطوارئ، حيث تجرى فحوص مخبرية كان يفترض إجراؤها في عيادات أو مختبرات خارجية، بهدف إعفاء المضمون من دفع حصته، الأمر الذي يرفع كلفة الفاتورة الطبية والاستشفائية على شركات التأمين بأكثر من 30%.