المصدر: المدن
الكاتب: جورج حايك
السبت 11 تموز 2026 01:21:43
لمس وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي اهتماماً لافتاً من الدولة القبرصية بالشأن اللبناني خلال زيارته السريعة أمس، التي دامت بضع ساعات، والتقى خلالها رئيس الجمهورية القبرصية نيكوس خريستودوليدس ووزير الخارجية كونستانتينوس كومبوس.
ومن المؤكد أن اهتمام قبرص بلبنان ليس مستجدّاً، بل بدأ منذ انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، وتعزّز بزيارات متبادلة بين الرئيسين، ثم تُوِّج بتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص رسمياً في 25 تشرين الثاني 2025.
وكشفت مصادر مطّلعة أن رجّي دُعي بصفة ضيف شرف إلى اللقاء السنوي الذي تنظّمه وزارة الخارجية القبرصية للسفراء القبارصة القادمين من مختلف دول العالم، حيث شارك في النقاشات والحوارات، وألقى كلمة شدّد فيها على عمق العلاقات التاريخية التي تربط لبنان بقبرص، ومتانة الروابط بين البلدين.
ولا شك في أن أبرز ما لاحظه الوفد اللبناني المرافق لرجّي كان الاهتمام والحماسة اللافتين اللذين أبدتهما القيادة القبرصية تجاه لبنان، ولا سيما الرئيس خريستودوليدس، الذي يرى في المسار الذي يسلكه الرئيس عون مؤشراً إيجابياً جداً، معتبراً أن لبنان يحظى اليوم باهتمام دولي لم يشهده منذ أربعة عشر عاماً، وأنه ينبغي استثمار هذه الفرصة وعدم تفويتها لكي تستعيد الدولة اللبنانية قرارها.
وتبذل قبرص، وفق المصادر، جهوداً كبيرة لمساعدة لبنان، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع إسرائيل، وهي تسعى إلى إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإبداء مزيد من المرونة تجاه الدولة اللبنانية، بما يقطع الطريق أمام "حزب الله" للسيطرة على الدولة، ويحرم الحزب من الذرائع التي يستخدمها للاحتفاظ بسلاحه تحت عنوان تحرير الجنوب اللبناني. وفي المقابل، تؤكد القيادة القبرصية أن علاقتها مع إسرائيل لا تأتي على حساب مبادئها وقناعاتها الأساسية أو دعمها القضايا المحقّة.
ولا شك في أن من مصلحة قبرص أن يكون لبنان مستقراً، لأن استقرارها يرتبط بأوضاع دول الجوار، وقد عانت مراراً من موجات النزوح والهجرة اللبنانية إليها. وتشير المصادر إلى أن اهتمام الدولة القبرصية نابع من العلاقة التاريخية بين البلدين، ومن المصالح المشتركة، لافتة إلى أن قبرص قادرة على دعم لبنان باعتبارها عضواً فاعلاً في الاتحاد الأوروبي. وقد حرص خريستودوليدس على توجيه رسالة إلى المجلس الأوروبي لإقناع الدول الأعضاء بأهمية الارتقاء بالعلاقة مع لبنان إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، أسوةً بما هو معتمد مع الأردن ومصر.
وتؤكد المصادر أن أبرز ما أبلغه خريستودوليدس إلى رجّي هو العمل على إنشاء إطار تعاون دائم بين لبنان والدول الأوروبية، بما يرفع مستوى الدعم الأوروبي له، ويدفع باتجاه تطبيق اتفاق الإطار مع إسرائيل، بحيث يُعامل لبنان كشريك مميّز للاتحاد الأوروبي، من دون أن يكون عضواً فيه، على غرار الصيغة المعتمدة مع الأردن ومصر. ومن شأن ذلك أن يؤمّن للدولة اللبنانية دعماً أوروبياً دائماً وملموساً في مختلف خطواتها.
وتكشف المصادر أن أهم ما طرحه خريستودوليدس يصبّ في إطار التعاون الاستراتيجي بين لبنان وقبرص، ويتمثّل في إنشاء خلية تعاون تضم لبنان وقبرص وفرنسا للتحضير لمرحلة ما بعد قوات "اليونيفيل"، عبر استبدالها بقوة أوروبية تكون قاعدتها في قبرص، وتتولى دعم لبنان وجيشه لترسيخ الاستقرار بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب. وتوضح المصادر أن الدول المرشحة للمشاركة في هذه القوة هي فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وإيرلندا.
ولا تقتصر الشراكة التي تقترحها قبرص بين لبنان والاتحاد الأوروبي على الجانبين السياسي والعسكري، بل تشمل أيضاً المجالين الاقتصادي والمالي، وفق المصادر، إذ ستسعى الدولة القبرصية إلى إقناع الاتحاد الأوروبي بالتخلي عن شرط ربط التعاون الاستراتيجي مع لبنان بتوقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، نظراً إلى أهمية دعم لبنان في هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة التي يمر بها.
ولا تخفي المصادر أن الشق الاقتصادي حظي أيضاً باهتمام خاص، ولا سيما مشروع الربط الكهربائي بين لبنان وقبرص، الذي من المتوقع أن يوقّعه وزيرا الطاقة في البلدين، إضافة إلى مشروع اتفاق مشترك لتطوير عمليات التنقيب عن النفط والغاز، ومشروع آخر يتعلق بشبكات الألياف الضوئية (Fiber Optic).
ولن يتوقف التنسيق بين وزيري الخارجية اللبناني والقبرصي في المرحلة المقبلة، ولا سيما أن التحديات كثيرة، ومن مصلحة لبنان الاستفادة من مختلف أشكال الدعم، وقبرص قادرة على لعب هذا الدور بفضل موقعها وعلاقاتها المتقدمة داخل الاتحاد الأوروبي.