المصدر: اللواء
الكاتب: معروف الداعوق
الاثنين 12 كانون الثاني 2026 07:03:06
لم يكن من الصعوبة بمكان، تلمُّس الفارق الكبير بين الزيارة الاخيرة، لوزير الخارجية الايراني عباس عراقجي ، وزياراته السابقة وغيره من مسؤولي النظام الايراني الى لبنان، شكلاً ومضموناً، وإن كانت زيارته الاخيرة ، بحجة توقيع كتابه «فن التفاوض» كما اعلن ظاهرياً، ولكن استغلالها، كان سياسياً بامتياز، في محاولة مكشوفة ويائسة، لإبقاء لبنان واستعماله منصة خارجية ، للترويج لسياسات النظام،لاسيما في هذا الظرف الذي اصبح فيه مطوقاً باحتجاجات واسعة من مواطنيه بالداخل، بسبب التدهور في سعر صرف العملة المحلية ،وتردي الاوضاع الاقتصادية والمعيشية، ومحاصراً بالعقوبات والتهديدات الاميركية والاسرائيلية المتواصلة ضده.
تفادى وزير الخارجية الايراني الاكثار من عبارات دعم المقاومة وحزب الله، بعدما ووجه بموقف استباقي من رئيس الحكومة نواف سلام، كرر فيه ان دور المقاومة انتهى عام ألفين مع تحرير الجنوب من القوات الاسرائيلية، وان قرار حصر السلاح بيد الدولة وحدها، هو لمصلحة الجميع دون استثناء، وحاول عراقجي قدر الامكان التشديد على عزم بلاده ، فتح صفحة جديدة مع لبنان، ترتكز على اقامة افضل العلاقات مع لبنان وشعبه، والتأكيد على استقراره ووحدته وسيادته، والوقوف الى جانبه في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي وتهديدات اسرائيل.
حاول عراقجي، خلال لقاءاته مع الرؤساء الثلاثة، ووزيري الخارجية والاقتصاد، استبدال الشعارات والعناوين السياسية السابقة المستفزة، لاسيما منها المتعلقة برفض بلاده ، قرار الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، والتي اشعلت نار الخلاف الرسمي اللبناني مع النظام الايراني، واعتبرت تدخلاً فاضحاً بالشؤون الداخلية للبنان، بطرح موضوع تطوير التعاون الاقتصادي بين لبنان وايران في المرحلة المقبلة،وفتح آفاق جديدة لتوسيع التبادل التجاري ، وتبادل الخبرات وتشجيع الاستثمارات بما يعود بالفائدة على البلدين معا،متجاهلا استحالة تسويق هذا الطرح كلياً، في ظل استمرار العقوبات الاميركية والغربية المفروضة على بلاده، وصعوبة تجاوز لبنان لهذه العقوبات .
لغة موحَّدة سمعها وزير الخارجية الايرانية من المسؤولين اللبنانيين في هذه الزيارة ، تختصر الموقف الرسمي اللبناني في العلاقة مع النظام الايراني ، تؤكد على اقامة العلاقات المتوازنة والاحترام المتبادل بين البلدين وترفض التدخل في الشؤون الداخلية لأي منها، تحت اي شعار او حجة ما، مايؤسس الى مرحلة جديدة في العلاقات بينهما.
الانطباع الذي خرج به الزائر الايراني من لقاءاته الفاترة نسبياً مع المسؤولين اللبنانيين في هذه الزيارة ، والثبات والحزم في المواقف التي تبلَّغها، يظهر بوضوح ان استباحة النظام الايراني للبنان، واستعماله ساحة لتصفية حساباته، او عقد صفقاته مع الولايات المتحدة الاميركية والغرب، كما كان سائداً خلال العقود الماضية قد انتهى بعد الفشل الذريع لحرب «الاسناد»، وتغيير موازين القوى، المحلية والاقليمية والدولية، واصرار الحكومة اللبنانية على حصر السلاح بيدها وحدها، وامساكها بقرار الحرب والسلم ، دون اي حزب او طرف آخر.