زيارة مرتقبة لماكرون إلى سوريا الأسبوع المقبل

أفاد مصدر خاص "المدن"، بأن هناك زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا في 6 تموز/يوليو المقبل، وهي الزيارة الأولى لرئيس فرنسي منذ سنوات طويلة.

وقال المصدر إن الزيارة تتضمن نقاشات حول توقيع اتفاقيات اقتصادية واستثمارية، إلى جانب بحث ملفات أمنية حساسة، أبرزها ملف الجهاديين الفرنسيين الموجودين في سوريا. وحتى في غياب تأكيد رسمي من باريس أو دمشق، فإن مجرد الحديث عن زيارة بهذا المستوى يعكس أن شيئاً ما يتغير في طريقة مقاربة الأوروبيين للملف السوري.

لا خصومات أبدية

وكانت فرنسا في مقدمة الدول الأوروبية التي تبنت موقفاً متشدداً تجاه دمشق مع بدء الثورة. أغلقت سفارتها، ودعمت المعارضة سياسياً، وتمسكت بسياسة العزلة والضغط على النظام السابق، معتبرة أن أي انفتاح على سوريا يجب أن يسبقه حل سياسي شامل.

لكن المشهد السوري تبدل بصورة كبيرة. سقوط نظام بشار الأسد وصعود السلطة الانتقالية الجديدة بقيادة أحمد الشرع فرضا واقعاً مختلفاً، ليس على السوريين وحدهم، بل على القوى الدولية أيضاً.

لا توجد خصومات أبدية في السياسة. الدول تعيد ترتيب أولوياتها عندما تتغير الظروف، وفرنسا ليست استثناءً. فباريس تنظر اليوم إلى سوريا بعين مختلفة؛ ليس لأنها تخلت عن مواقفها السابقة بالكامل، بل لأن الواقع الجديد يفرض وقائع جديدة

قد يبدو الملف السياسي الأكثر حضوراً في الواجهة، لكن الاقتصاد ربما يكون المحرك الحقيقي لأي انفتاح فرنسي محتمل. وتحتاج سوريا الخارجة من الحرب إلى استثمارات بمليارات الدولارات. وبالنسبة للشركات الدولية، فإن الدول التي تخرج من النزاعات تتحول إلى أسواق استثنائية تفتح فرصاً اقتصادية هائلة، وهو ما تدركه فرنسا جيداً، فهي تمتلك شركات كبرى في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والخدمات، كما تملك خبرة طويلة في مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار في الأسواق الناشئة.

ولذلك تدرك باريس أن الغياب المبكر عن سوريا قد يعني خسارة فرص اقتصادية وسياسية في المستقبل، فالمسألة بالنسبة لها لا تتعلق فقط بالتجارة والاستثمار، بل أيضاً بمكانتها ونفوذها في شرق المتوسط والمشرق العربي.

 

أسواق جديدة 

طوال سنوات الثورة السورية كانت أوروبا تنظر إلى سوريا بوصفها مصدراً للمشكلات؛ الإرهاب، اللاجئون وتداعيات عدم الاستقرار. لكن المقاربة بدأت تتغير تدريجياً. فاستقرار سوريا اليوم يعني بالنسبة لأوروبا تقليص احتمالات الهجرة غير النظامية، وتقليل مخاطر عودة التنظيمات المتشددة، وفتح أسواق جديدة للاستثمار والتجارة.

ومن هنا، فإن باريس تبدو مهتمة بالانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة الانخراط المدروس في إعادة تشكيل سوريا الجديدة.

ورغم أهمية الاقتصاد، فإن الأمن لا يزال حاضراً بقوة في الحسابات الفرنسية، فملف الجهاديين الفرنسيين في سوريا شكّل طوال السنوات الماضية صداعاً دائماً للحكومات الفرنسية. هناك مقاتلون يحملون الجنسية الفرنسية، إضافة إلى نساء وأطفال موجودين في المخيمات ومراكز الاحتجاز.

وتدرك فرنسا أن ترك هذا الملف معلقاً يحمل مخاطر متعددة. أي اضطراب أمني جديد في سوريا قد يؤدي إلى فرار عناصر متشددة أو إعادة انتشارها، وهو سيناريو يثير قلقاً كبيراً لدى المؤسسات الأمنية الأوروبية.

ولذلك، فإن وجود سلطة سورية جديدة تسعى إلى بناء علاقات مع المجتمع الدولي يفتح الباب أمام تفاهمات جديدة حول هذا الملف، سواء عبر التعاون الأمني أو تبادل المعلومات أو البحث عن ترتيبات قانونية أكثر استقراراً.

بالنسبة لباريس، القضية لا تتعلق فقط باستعادة مواطنين أو إغلاق ملف قديم، بل بمنع ظهور تهديد أمني جديد يمكن أن ينعكس على الداخل الفرنسي والأوروبي.

 

ماذا تريد دمشق؟

تبدو دمشق بحاجة إلى أكثر من مجرد زيارة سياسية حيث أن السلطة السورية الجديدة تدرك أن تثبيت الاستقرار لن يتحقق بالشعارات وحدها. الاقتصاد المنهك يحتاج إلى استثمارات، ومؤسسات الدولة بحاجة إلى إعادة تأهيل، والأوضاع المعيشية تتطلب موارد وفرص عمل ومشاريع تنموية.

واستقبال رئيس دولة بحجم فرنسا يحمل بعداً سياسياً واقتصادياً في آن واحد. سياسياً، يمثل رسالة بأن سوريا بدأت تستعيد مكانتها في العلاقات الدولية. واقتصادياً، قد يشكل مدخلاً لجذب استثمارات وشراكات تحتاجها البلاد بشدة في هذه المرحلة.

كما أن أي انفتاح فرنسي يمكن أن يفتح الباب أمام انخراط أوروبي أوسع، لأن باريس تبقى واحدة من أكثر العواصم تأثيراً داخل الاتحاد الأوروبي، وأي تغيير في مقاربتها تجاه دمشق لن يمر دون تأثير على بقية الدول الأوروبية.