سقوط الرهان لا الحكومة... ونواف سلام أربك خصومه

دخلت الطبقة السياسية اللبنانية إلى ساحة النجمة وهي ترفع عنواناً عريضاً برّاقاً: «مساءلة الحكومة». غير أن مسار الجلسة النيابية الأخيرة ورسم خريطتها السياسية كشفًا أنّ السؤال الذهبي الذي طارد الجميع تحت قبة البرلمان لم يكن يدور حول أداء حكومة الرئيس نواف سلام وتفاصيل العمل الوزاري اليومي فحسب، بل حول ما تبقّى من قدرة المنظومة السياسية التقليدية على إدارة اللعبة السياسية وفق قواعدها القديمة. لقد وجد أقطاب السلطة أنفسهم أمام واقع جديد أصبحت فيه ملفات السلاح، السيادة، وقرار الحرب والسلم حاضرة في قلب النقاش الوطني وعلى مسمع من الرأي العام الداخلي والدولي.

كان الرهان الظاهر المعلن لدى بعض القوى المعارضة والمتحفظة هو تحويل جلسة المساءلة إلى منصة محاصرة وإحراج سياسي للسراي الكبير. أُريد للحكومة أن توضع في موقف الدفاع عبر فتح الملفات الاقتصادية، الاجتماعية، والخدماتية، ورفع سقف الاعتراض على تعاطيها مع الأزمات المعيشية وتداعيات العدوان الإسرائيلي. لكن المسار البرلماني سرعان ما انزلق إلى اتجاه عكسي تماماً؛ فبعد يومين من السجالات المباشرة والمناقشات الحادة التي شهدت مداخلات لنحو 59 نائباً، انتهت الجلسة إلى تجديد الثقة بالحكومة بـ68 صوتاً، مقابل 12 نائباً فقط حجبوا الثقة وامتناع نائبين عن التصويت.

• دلالات أرقام التصويت والمشهد البرلماني

إن القراءة التفصيلية لنتائج الجلسة تؤكد أن القصة لا تكمن في الرقم الحسابي والتفوّق العددي لسلام فقط. القصة الحقيقية هي أن البرلمان، الذي أُريد له أن يكون منصة لمحاصرة السراي وإظهار ضعفها، تحوّل إلى مرآة سياسية مكبرة عكست بوضوح حجم الأزمة الداخلية التي يعاني منها خصوم الحكومة. فالنتيجة الرقمية كشفت الحدود الحقيقية لسقف التصعيد النيابي، وأظهرت العجز عن ترجمة الخطب العالية والنبرة الحادّة إلى كتلة تصويتية قادرة على إحداث تغيير في المعادلة التنفيذية.

وكان المشهد الأكثر دلالة في ختام الجلسة هو السلوك النيابي لكتلة «الوفاء للمقاومة»؛ إذ غادر نواب حزب الله القاعة قبيل الشروع في عملية التصويت على الثقة. هذا الخروج لم يأتِ بصورة عفوية، بل يعكس إرباكاً وحيرة في التعامل مع لحظة الاستحقاق الدستوري. فالحزب خاض سجالاً كلامياً حاداً وسعى للتصعيد ضد الأداء الحكومي، مستهدفاً ملفات إعادة الإعمار، إدارة الشأن الجنوبي، ومسار المفاوضات. لكنه عند لحظة ترجمة الموقف السياسي إلى موقف دستوري صريح، فضّل الانسحاب والتنحي جانباً بدل حجب الثقة. بهذا السلوك، امتنعت الكتلة عن حسم موقفها ضداً، متفادية الالتزام الصريح بعدم الثقة، وهو ما منع المعارضة من التحوّل إلى أكثرية حاسمة كان يمكن أن تشكّل خطراً جلياً على استمرار الحكومة.

• مفارقة «الثنائي» وتفكك المحور

ما زاد من تعقيد المشهد البرلماني هو ظهور تباين لافت في الموقف داخل البيئة السياسية الشيعية ذاتها. ففي الوقت الذي اختار فيه نواب حزب الله مغادرة القاعة، منحت كتلة «التنمية والتحرير» برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري ثقتها للحكومة. هذا التفاوت لا يشير بالضرورة إلى اندلاع خلاف استراتيجي جذري بين الطرفين، إلّا أنه يكشف بوضوح أن الحسابات النيابية والسياسية لم تعد تُدار بالضرورة وفق كتلة واحدة متجانسة في كل استحقاق.

لقد أدار نبيه بري الجلسة بمهارة كلاسيكية؛ فتح باب المساءلة للنواب لرفع الضغط السياسي واحتواء التوتر، لكنه حرص على ضبط إيقاع اللعبة تحت سقف المؤسسات الدستورية. وتجلّى الفارق بين رفع السقف في المزايدات وبين اتخاذ القرار السياسي؛ فالصراخ النيابي شيء، وإسقاط الحكومة وتوفير الغطاء لأزمة سياسية وأمنية جديدة شيء آخر تماماً.

تخبط البديل وعقدة الإقليم

كشفت كواليس الجلسة عن محاولات غير معلنة قادتها بعض المرحعيات والأطراف، لدفع حزب الله باتجاه موقف حاسم يقضي بسحب الثقة. غير أن هذه المساعي اصطدمت بضبابية موقف الحزب وعجزه عن تقديم بديل واقعي. وعندما طُرحت أسماء في الكواليس لإعادة التكليف، ومنها اسم الرئيس نجيب ميقاتي، تبيّن سريعاً أن هذه الطروحات تفتقر إلى المقومات العملية والغطاء التوافقي.

إن الفراغ الحكومي في بلد يعيش تحت وطأة انهيار اقتصادي، وتفاوض شاق حول ملف الجنوب، وإدارة لملفات الدعم الدولي، ليس مجرد تغيير أسماء في السراي، بل هو تغيير في المسار الوطني برمّته. وهنا ظهرت قوة نواف سلام؛ إذ إن أي محاولة لإسقاطه كانت تتطلب الاتفاق المسبق على التسمية، وتشكيل الحكومة، وتأمين غطاء نيابي وسياسي لها، ومواجهة التحديات الاقتصادية والدولية نفسها.

إضافة إلى ذلك، حضر العامل الإقليمي والدولي بقوة في خلفية المشهد البرلماني. فحكومة سلام لا تتحرك في معزل عن البيئة الخارجية، بل تقف في قلب مرحلة حاسمة تنظر فيها العواصم العربية والدولية بعين الحزم إلى ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة، ودعم الجيش، وإنجاز الإصلاحات. وبالتالي، فإن المظلة العربية والدولية المحيطة بها شكّلت حائداً دون المغامرة بإسقاطها، وجعلت من القوى المعارضة تدرك أن كلفة إحداث الفراغ ستكون باهظة ومكشوفة خارجيًا.

• سقوط الرهانات

إن العنوان الحقيقي لجلسة ساحة النجمة لم يكن مجرد الحصول على الثقة بحكومة سلام، بل كان السقوط المدوي لرهانات إسقاطها. القوى السياسية التي دخلت البرلمان متوقعة وضع الحكومة في قفص الاتهام، وجدت نفسها عاجزة عن تأمين الأكثرية أو طرح البديل المقبول.

خرج نواف سلام من الجلسة منتصراً بالمعنى البرلماني والدستوري؛ حيث منحته الـ68 صوتاً وقتاً سياسياً جديداً وتفويضاً متجدّداً. انتقلت الحكومة من موقع الدفاع وردّ الاتهامات إلى موقع رئيس حكومة يستند إلى أغلبية نيابية متماسكة. ولكن، تظل هذه الأغلبية بداية الاختبار الحقيقي وليست نهايته. فالسؤال المطروح بعد هذه الجلسة المفصلية لن يكون: هل يمتلك سلام مقومات البقاء؟ بل: كيف سيستثمر هذه الأكثرية النيابية لتثبيت سلطة الدولة، وفرض الإصلاح، وحماية القرار السيادي للبنان؟