المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بومنصف
الجمعة 10 نيسان 2026 09:02:45
سواء أظهرت الأيام الطالعة شمول لبنان باتفاق الهدنة الأميركي - الإيراني بوساطة باكستانية أو لا، لن يبدل الأمر شيئاً في الجانب المتصل بوقائع قاتمة شديدة الوطأة واكبت وتواكب واقع لبنان الكارثي، في ربط مصيره الدائم بمعضلة لم تقوَ عقود زمن "السلم" منذ أن وضع اتفاق الطائف نهاية "نظرية" للحرب اللبنانية على تجددها. فاللبنانيون لم يتصوروا، في أسوأ كوابيسهم، أن تعود حقبة في الزمن الحالي بعد 51 عاماً من أشهر تاريخ في أرشيف الحروب والكوارث اللبنانية - تاريخ 13 نيسان 1975 - لتملأ المشهد الداخلي بكابوس حرب استعادت، ضمن مآسيها، خطر تفتت الدولة وتفككها تحت سطوة سلاح فريق يدين بالولاء لإيران أولاً، وليس في حساباته أن يسحق لبنان. كما لم يحصل من قبل هذه المرة أن انفجرت معادلة "إما سلاح ’حزب الله‘ وإما كل الدولة وكل لبنان"، لأن سلاح الحزب صار منذ ثلاثين سنة صنواً لمنع اكتمال عوامل القوة لدولة تحكّم في مفاصلها، سواء سميت دولة طبيعية أو دولة عميقة.
كانت أفظع المعادلات التي واكبت حرب إسناد ايران التي فجرها "حزب الله" في 2 آذار/مارس 2026 أنها لم تختلف عن مفجر حرب لبنان في نيسان/أبريل 1975 لجهة استباحة السلاح الغريب السيادة اللبنانية، وتفجير الدولة والأمن والاستقرار، وإشعال حروب الخارج والداخل على أرض لبنان. آنذاك، كان الانفجار نتيجة تراكمية حتمية لأخطر اتفاق فرض على لبنان، أي اتفاق القاهرة الذي أباح السلاح الفلسطيني وشرّعه ومنحه "فتح لاند" في الجنوب.
لم يكن سلاح "حزب الله" أقل خطورة منذ بدايات نشوء الحزب على يد القابلة السورية - الإيرانية المشتركة في مطالع الثمانينيات، إذ بلغ شأن الاختراق الإيراني للبنان عبر ذراعه حدود تفجير أربع حروب "إسنادية" متعاقبة بعد تحرر الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي في عام 2000.
الحرب الأولى في2006 حين أوعزت طهران إلى الحزب بفتح مواجهة في مزارع شبعا لتخفيف ضغط حملة عسكرية خانقة كانت تنفذها إسرائيل في قطاع غزة ضد "حماس"؛ وكانت الحرب الثانية في تورط الحزب في سوريا دعماً لنظام بشار الأسد ضد الثورة السورية؛ والحرب الثالثة لإسناد غزة غداة "طوفان الأقصى" في 2023؛ ثم حرب إسناد ايران الأخيرة.
يُخطئ الظن من يحصر خطورة تداعيات معضلة سلاح "حزب الله" في منع الدولة اللبنانية من امتلاك قرار السلم والحرب والتفاوض الحر المستقل فحسب، فالتجارب المتراكمة جعلت الاستعصاء عن منع الفتن الطائفية والمذهبية بسبب هذا السلاح الوجه الأخطر من استدراجه حروباً "غب الطلب" الإيراني. وإن كانت الواقعة الدموية في اجتياح الحزب المسلح بيروت الغربية في 7 أيار/مايو 2008 قد شكلت التاريخ الأخطر بعد اتفاق الطائف في تعريض السلم الأهلي للانهيار، فإن الإثباتات والشكوك والشبهات في ملف تورط الحزب في الاغتيالات لم تكن أقل خطورة على تفكك عرى الأمن الاجتماعي والأمني. كما أن توسّل خطاب التهديدات وممارسة الترهيب السياسي والإعلامي جعل هذه الأنماط أشبه بترسانة ترهيبية في ذاتها.
ويبلغ الترهيب ذروته في معاينة أثر رفع التهديد بالحرب الأهلية والفتنة كفزاعة في وجه الحكومة ورئاستي الجمهورية والحكومة والدولة كلًّا والجيش خصوصاً، عقب اتخاذ الحكم والحكومة الحاليين قرارات تاريخيّة في شأن حصرية السلاح في يد الدولة، وبدء تنفيذ الجيش هذا القرار في جنوب الليطاني. ولعل أحداً لم يعد بإمكانه مجافاة حقيقة مفجعة، مفادها أن سلاح الحزب هزم تطلعات اللبنانيين إلى دولة حاسمة لا تهاب ترهيباً ولا تقف عند تهويل، فإذا بالحرب التي أشعلها الحزب بإيعاز من الحرس الثوري الإيراني تودي بانتشار الجيش وتمنع الدولة من التفاوض وتسقط الثقة الداخلية والخارجية بالدولة.
بعد51 عاماً من 13 نيسان/أبريل، لم تعد رمزية تلك الذكرى تُقاس بحجم تراكمات وحروب تسبب بها سلاح آخر من داخل الدار، يُدار بقرارات من طهران. أما ذروة المآسي والمخاوف، فأن يكون السلاح هذا قدراً لا فكاك منه ما دامت دولة لبنانية كاملة المواصفات والقدرات، وقادرة على ترهيب من يرهبها، لن تقوم لها قيامة!