سلام في سوريا: لفكّ عقد الملفات العالقة

تأتي زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق اليوم، كاستكمال لمسار سياسي فُتح مع زيارته الأولى العام المنصرم، والتي حملت آنذاك عنوان إعادة تفعيل قنوات التواصل بين لبنان وسوريا، بعد سنوات من الجمود والتعقيدات التي حكمت العلاقة بين البلدين. أما زيارة اليوم، التي يلتقي خلالها الرئيس السوري أحمد الشرع، فتكتسب أهمية إضافية من حيث التوقيت، في ظل مرحلة إقليمية دقيقة تشهد إعادة ترتيب للمشهد السياسي في المنطقة، وأهمية من حيث الأهداف، في إطار المساعي اللبنانية المستمرة لإعادة مقاربة ومعالجة الملفات العالقة مع دمشق، بعد سقوط نظام بشار الأسد.

عناوين عدة ستكون محور الزيارة. في مقدمها ملف السجناء، إلى جانب ملف ضبط الحدود والمعابر غير الشرعية، وما يرتبط به من قنوات تهريب الأسلحة والتنقل غير الشرعي. إذ تضم الحدود بين لبنان وسوريا الممتدة على 330 كيلومترا، معابر غير شرعية، غالبا ما تستخدم لتهريب الأفراد والسلع والسلاح، وهو ما أدى إلى وقوع الكثير من المشكلات الأمنية في الفترة السابقة. كما ستتناول المحادثات الشق الأمني المرتبط بتعزيز التنسيق بين البلدين، إضافة إلى الملفات الاقتصادية، سواء لناحية مسار توقيع الاتفاقيات الاقتصادية المشتركة، أو إمكان استجرار الطاقة عبر سوريا، إلى جانب إعادة تنظيم الحركة التجارية والتبادل الاقتصادي، والترانزيت، والاستيراد والتصدير بين البلدين.

وحكماً، سيكون ملف النازحين السوريين في صدارة النقاشات، ولا سيما بعد الإجراءات الأخيرة التي سمحت باستكمال مسار العودة الطوعية للنازحين من لبنان، رغم أن وتيرة هذه العودة لا تزال بطيئة حتى الآن. وحسب المعلومات، فإنّ زيارة سلام الى سوريا تأتي بالتزامن مع الخطوات العملية التي يقوم بها جهاز الأمن العام مع السلطات السورية في ملف النازحين السوريين لتأمين عودتهم قريباً.

 

اختراق فعلي في القضايا العالقة 

يستكمل سلام مسار تحسين العلاقة بين البلدين، بزيارة تأتي ليوم واحد يرافقه فيها وزراء الأشغال والاقتصاد والطاقة، بالإضافة إلى نائب رئيس الحكومة طارق متري. خصوصاً وأن ما تحقق من الزيارة الأولى العام المنصرم، بقي محدوداً، إذ لم تُترجم الإيجابية السياسية التي أُحيطت بها إلى خطوات عملية على مستوى التنسيق المباشر أو تبادل الزيارات الرسمية أو تفعيل التمثيل الدبلوماسي والاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين، على الرغم من الإيجابية التي رافقت أيضاً اللقاء الهامشي الأخير الذي جمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع الشرع، قبيل أعمال القمة الأوروبية غير الرسمية في نيقوسيا، في مؤشر سياسي عكس وجود رغبة متبادلة بإبقاء قنوات التواصل مفتوحة.

إلا أنّ الملفات الحساسة بقيت تحكم العلاقة بحذر شديد، في ظل إرث ثقيل من التعقيدات التاريخية والسياسية، التي لا تزال تلقي بظلالها على واقع العلاقة الراهنة بين بيروت ودمشق.

وفي هذا السياق، تتقاطع الزيارة الثانية لسلام مع أسئلة أساسية تتعلق بما يريده كل طرف من الآخر. فلبنان يسعى إلى معالجة الملفات العالقة، وفي مقدمها ضبط الحدود والمعابر غير الشرعية، وملف النازحين، والتنسيق الأمني، إضافة إلى إعادة تفعيل التعاون الاقتصادي والتجاري. أما سوريا، فتسعى إلى تثبيت مرحلة جديدة من العلاقة مع لبنان تقوم على إعادة فتح قنوات التواصل الرسمي والسياسي، ضمن مقاربة مختلفة عن المرحلة السابقة.

 

حزب الله والحرب الإسرائيلية 

ويبرز في المشهد أيضاً ما يرتبط بحزب الله، إلى جانب قضية الحدود المتداخلة بين البلدين وما يتعلق بها من تحديات ومخاطر أمنية مشتركة، خصوصاً في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان والمنطقة. يُضاف إليها إعلان السلطات السورية في الفترة الأخيرة اكتشاف أنفاق عسكرية على مقربة من الحدود تابعة لحزب الله، كذلك الخطر الذي رافق تهديد معبر المصنع الحدودي، والذي كان خلال الحرب الأخيرة محور اتصالات دبلوماسية وسياسية على أعلى المستويات، أثمرت تجنيبه الاستهداف بعد إنذار إسرائيلي، بعد ادعاء إسرائيل بأنه يُستخدم لأغراض عسكرية لحزب الله.

وفي السياق نفسه، تتحدث معلومات عن رفض سوري واضح لأن تكون دمشق طرفاً في الحرب الإسرائيلية على لبنان، مع وجود دعم تركي لهذا التوجه القائم على تحييد سوريا عن الصراع الدائر، وعدم تحويلها إلى ساحة أو طرف داعم لإسرائيل في مواجهتها مع لبنان. كما تنقل المعطيات المتداولة عبر موفدين وزوار إلى دمشق، التأكيد بأنّ الشرع يحرص على التأكيد بأنّ سوريا "طوت صفحة الماضي"، وأنها تتعاطى مع لبنان من منطلق علاقة ندية بين دولتين، بعيداً من منطق الوصاية أو التدخل في الشؤون الداخلية. وتتقاطع هذه الزيارة مع المناخ الإيجابي الذي عبّر عنه الشرع مؤخراً، خلال افتتاح صالة الفيحاء الرياضية لكرة السلة في دمشق، حيث قال الشرع، إنّ سوريا ولبنان تعبا من الحروب والمآسي، مشددًا على أنّ الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة الاستقرار والبناء والإعمار.

ورغم هذا المناخ الإيجابي النسبي، إلا أنّ العلاقة بين البلدين لم ترتقِ بعد إلى مستوى التعاون الفعلي الذي يُفترض أن يجمع بلدين تربطهما الجغرافيا والمصالح المشتركة. إذ بقيت ملفات كثيرة معلّقة من دون تنفيذ، فيما لا تزال السياسة وتجارب السنوات الماضية تفرض الكثير من الحذر في مقاربة العلاقة الثنائية. ومن هنا، تبدو زيارة سلام إلى دمشق بمثابة محاولة جديدة لاستكمال ما بدأ في الزيارة الأولى، وملء الفراغات التي بقيت قائمة، عبر الانتقال من مرحلة الرسائل السياسية الإيجابية إلى مرحلة أكثر عملية، تقوم على ترجمة التفاهمات إلى خطوات ملموسة في الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية بين البلدين.