المصدر: أساس ميديا
الكاتب: قاسم يوسف
السبت 10 تشرين الأول 2026 07:29:30
لم تكن كلمة رئيس الحكومة نواف سلام إلى اللبنانيين مجرد عرض للإجراءات الاقتصادية والمالية التي تعمل حكومته على تنفيذها، ولا محاولة لتبرير محدودية الإمكانات المتاحة للدولة في مواجهة تدهور الأوضاع المعيشية، بقدر ما كانت في جوهرها مصارحة سياسية في لحظة شديدة الخطورة، يدرك فيها سلام أن التحدي الأكبر الذي سيواجه العهد والحكومة في المرحلة المقبلة لن يكون محصوراً في الملفات الأمنية والسياسية، بل سيكون بلا منازع في لقمة عيش اللبنانيين وقدرتهم على تحمّل مزيد من الأعباء.
يعرف نواف سلام أن الاقتصاد لا ينتظر التسويات السياسية، وأن المواطن الذي تتآكل قدرته الشرائية لا يستطيع تأجيل حاجاته إلى حين استقرار المنطقة أو اكتمال الإصلاحات. فارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين، وما يرافقه من زيادة في كلفة الاستيراد والنقل والإنتاج، يضع لبنان أمام موجة جديدة من الضغوط، في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين حاجاته الأساسية. وإذا كانت الحرب قد أوقفت مسار التعافي الذي سجّل نمواً بنسبة 4.2 في المئة العام الماضي، فإن الانكماش المتوقع في هذا العام ينذر بتوسّع دائرة الخسائر، وتراجع إضافي في مداخيل اللبنانيين، وازدياد صعوبة الحياة اليومية.
التوظيف السياسي
هنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة. فالأزمة المعيشية ليست مجرّد نتيجة اقتصادية للحرب أو لاضطراب أسواق الطاقة العالمية، بل قد تتحوّل إلى العامل الأكثر تأثيراً في الاستقرار الداخلي، وإلى المدخل الذي تتقاطع عنده مصالح المواطنين المتضرّرين مع حسابات القوى السياسية التي تسعى إلى تغيير موازين القوى.
في هذا السياق، تتقاطع معطيات ومخاوف جدية من إمكان توظيف “الحزب” لحالة التدهور المعيشي في تحريك الشارع والضغط على الحكومة، وصولاً إلى محاولة قلب الطاولة على العهد والدولة. فالحزب الذي يواجه تحوّلات عميقة في موقعه السياسي والأمني، لا يمكن استبعاد سعيه إلى استثمار أي اهتزاز داخلي لاستعادة جزء من النفوذ الذي خسره، أو للثأر سياسياً من حكومة لا تتعامل مع الدولة باعتبارها ساحة مفتوحة لتكريس موازين القوى السابقة، وهنا تماماً يمكن فهم استئناف الحزب لدفع التعويضات وتقديم المساعدات، بعد الحديث عن ٢٠٠ مليون دولار يقال أنها وصلته حديثاً من إيران.
لا يعني ذلك أن وجع اللبنانيين مفتعل، أو أن اعتراضاتهم المحتملة يمكن اختزالها في حسابات حزبية. فالأزمة حقيقية، وأسبابها متراكمة، والناس الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات وانعدام اليقين بشأن المستقبل لا يحتاجون إلى من يقنعهم بأن أوضاعهم صعبة. لكن الخطورة تكمن في أن تتحوّل هذه المعاناة إلى أداة في صراع سياسي أوسع، فتُستثمر المطالب الاجتماعية المشروعة في مشروع لا يهدف بالضرورة إلى تحسين حياة اللبنانيين، بقدر ما يسعى إلى إعادة إنتاج المعادلات التي أوصلت الدولة إلى هذا المستوى من الضعف.
لا يمكن قراءة كلمة سلام بمعزل عن طبيعة المواجهة المقبلة. فالحكومة لا تواجه أزمة مالية فحسب، بل تواجه أيضاً اختباراً سياسياً يتصل بقدرتها على حماية الاستقرار الداخلي، ومنع تحويل الانهيار المعيشي إلى وسيلة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وإذا كان لبنان يحظى اليوم بغطاء عربي ودولي كبير للعهد والحكومة ورئيسها، فإن هذا الغطاء على أهميته، لا يشكّل ضمانة كافية إذا انفجر الشارع تحت وطأة الفقر والغلاء والعجز عن تأمين الحاجات الأساسية.
الغطاء الخارجي يمكن أن يمنح الدولة فرصة سياسية، وأن يفتح أبواب المساندة والتعاون، لكنه لا يستطيع وحده احتواء غضب اجتماعي واسع إذا شعر اللبنانيون بأنهم تُركوا لمصيرهم. وقد يصبح أي انفجار معيشي أكبر من قدرة القوى السياسية على ضبطه، وأسرع من قدرة الحكومة على احتوائه. عندها، لن تكون الحسابات محصورة بما إذا كانت الحكومة تحظى بثقة العواصم العربية والغربية، بل بما إذا كانت الدولة قادرة على الحفاظ على ثقة مواطنيها.
صادقٌ ومسؤول
جاءت مصارحة سلام للبنانيين محاولة لقطع الطريق على الإنكار والوعود المستحيلة. لم يقدّم صورة وردية عن الاقتصاد، ولم يقل أن الدولة تمتلك الأموال الكافية لتلبية جميع المطالب. وضع أرقاماً أمام الناس: موازنة مستهدفة بنحو سبعة مليارات دولار لعام 2027، مقارنة بنحو 3.5 مليارات عند تشكيل الحكومة، وكلفة إضافية تقارب 1.2 مليار دولار لتصحيح رواتب القطاع العام، إلى جانب زيادة الإنفاق الاجتماعي، ورفع الاعتمادات الصحية، وتوسيع برنامج “أمان”، وتمويل برامج للتمكين الاقتصادي.
الأهم أنه رسم حدود ما تستطيع الحكومة فعله، وما لا تستطيع التعهّد به. قال بوضوح إن الإنفاق لا يمكن أن يسبق تأمين موارده، وإن العودة إلى الاستدانة وسلف الخزينة لتمويل النفقات الجارية ليست خياراً مقبولاً. وفي بلد دفع مواطنوه أثماناً باهظة من مدخراتهم وودائعهم نتيجة السياسات المالية السابقة، لا تبدو هذه الرسالة تفصيلاً تقنياً، بل محاولة لتأكيد أن حماية القدرة الشرائية لا تتحقق عبر قرارات شعبوية قد تعيد إنتاج الانهيار نفسه.
لم يحصر نواف سلام الحلول في الجباية والرواتب والمساعدات، بل أشار إلى ملفات يفترض أن تشكّل جزءاً من استعادة الدولة لحقوقها، من مستحقات الكسارات والمقالع إلى الأملاك البحرية، مروراً بالنقل العام وقروض الطاقة الشمسية والإسكان. وهي ملفات لا تعالج الأزمة دفعة واحدة، لكنها تكشف عن محاولة للانتقال من إدارة الاختناق اليومي إلى بناء خيارات تخفّف كلفة المعيشة على المدى المتوسط.
بدا سلام صادقاً في تحمّل المسؤولية، لا لأنه وعد اللبنانيين بحلول سريعة، بل لأنه لم يعدهم بما لا يملك. تحدّث عمّا أُنجز، وما يُعمل على إنجازه، وعن العقبات المالية والإدارية التي تحدّ من قدرة الدولة. وهذا تحديداً ما يُنتظر من رجل دولة: ألا يختبئ خلف الظروف، وألا يبيع الناس أوهاماً، وألا يتعامل مع الأزمة باعتبارها فرصة لتسجيل النقاط السياسية.
جرس انذار للعرب
تتجاوز كلمة سلام حدود الداخل اللبناني. إنها جرس إنذار للعرب والمجتمع الدولي، ولكل من يراهن على استقرار لبنان واستعادة دولته، بأن الدعم السياسي لا ينبغي أن يبقى منفصلاً عن المساندة الاقتصادية والاجتماعية. فترك الحكومة تواجه وحدها أزمة بهذا الحجم يبدّد فرصة نادرة لإعادة بناء المؤسسات.
المطلوب بكل تجرد وكل صراحة، احتضان هذه الحكومة ومساعدتها على تحويل الإصلاحات إلى واقع، قبل أن تتقدم الأزمة على الدولة، وقبل أن تصبح معاناة الناس وقوداً لمواجهة تتجاوز مطالبهم. فالمعركة المقبلة لن تُحسم بالبيانات السياسية ولا بحجم التأييد الخارجي، بل بقدرة الدولة على حماية الناس من الانهيار، وإقناعهم بأن هناك من يعمل فعلاً من أجلهم.
لقد قال نواف سلام ما ينبغي أن يسمعه اللبنانيون: إن الإمكانات محدودة، وإن الطريق طويل، وإن الدولة لن تنفق أموالاً لا تملكها. لكن ما ينبغي أن يسمعه العرب والعالم أيضاً هو أن الوقت ليس مفتوحاً. فبين حكومة تحاول تثبيت منطق الدولة وشارع يزداد اختناقاً، قد تكون سرعة المساندة بقدر أهمية الإصلاح نفسه. وإذا كان المطلوب منع العودة إلى الماضي، فإن البداية تكون بمنع الوضع الداخلي من الانفجار.