المصدر: نداء الوطن
الكاتب: مريم مجدولين اللحام
الاثنين 5 كانون الثاني 2026 07:29:32
نادراً ما يكون لبنان حالةً مستقرّة. لا بل، قلّما تعامل معه جاره الأسديّ إلا ساحةً مستباحة. وكما "فتح لاند" في الجنوب، كذلك "فلول لاند" في الشمال وهجمات تم التخطيط لها في لبنان، بتمويل إيراني وقيادة من روسيا، لتعبر من الحيصة وبعلبك الهرمل وكسروان وفنادق بيروت انقلابًا في الساحل السوري!
واقع التفت إليه أحد الوزراء إلا أن ملاحقة "جنرالات الأسد" لا يُبت الأمر فيه إلا من الأجهزة الأمنية والعسكرية بالمداهمة المباشرة وتنفيذ توقيفات سريعة، لعلّه لا يوصم لبنان مجدّدًا بانعدام السيادة.
الإمرة لصاحب السلاح والقوة القضائية، فالتسريبات الإعلامية الفاضحة التي خرجت إلى الإعلام بوثائق تكشف شبكة ظل مموّلة ومسلّحة لفلول نظام الأسد وتستحدث غرفة عمليات في لبنان لا يمكن أن تكون في قعر اهتمامات السلطات الثلاث.
في التفاصيل، نجح الهاكر السوري المعروف باسم "عاكف" في تفكيك خيوط مخطّط سرّي، كانت تقوده شخصيات عسكرية بارزة من "جنرالات الأسد" في الساحل السوري انطلاقًا من لبنان وروسيا، بهدف الإطاحة بالرئيس السوري أحمد الشرع تحت شعار المطالبة بـ "الفدرالية"، في محاولة انقلاب مؤجلة تستخدم الجغرافيا اللبنانية كمساحة إنكار سياسي وأمني لواقع الحكم السوري الحالي، وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، قبل أن تتكشف تفاصيل التحركات والتمويل والتمركز الميداني وتخرج إلى العلن.
البداية كانت باختراقه هاتف المقدم في جيش الأسد علي سليمان كنقطة انطلاق أتاحت لعاكف الوصول لاحقًا إلى هاتف، عمر ر. ومن هناك، تَكشفت أمامه شبكة كاملة من الاتصالات والارتباطات.
المعطيات التي ظهرت قادته إلى هاتف الصحافي السوري م. ر.، الذي كان يحتفظ بعلاقات مباشرة مع عدد من القادة الأسديين. عبر هذه الشبكة، نجح عاكف في كسب ثقة م. ر. مستفيدًا من اسمَي سليمان وعمر ر.، قبل أن ينسج أمامه وعوداً مغرية: تمويل سخي لإنشاء وكالة إعلامية خاصة، وتعهّدات بتأمين رحلة من لبنان إلى دبي وتوفير كل المستلزمات اللوجستية التي يحتاجها.
لاحقاً، طلب عاكف من م.ر. أن يتولّى تزكية شخصية إسرائيلية تُعرف بلقب "أناليست"، وأن يقدّمها على أنها "ضابط نافذ في جهاز الموساد، ومستعرب يحظى بثقة مؤسسته ويعمل ضد "حزب الله" في لبنان وضد الميليشيات الإيرانية.
وبالفعل، اختار ر. التواصل مع أحد القادة العاملين مع قائد اللواء 42 المعروف بـ "قوات الغيث" في جيش نظام الأسد غياث دلّا، يُدعى طارق فيصل عجيب. ومن خلال طارق، تمكّن عاكف من الوصول إلى علي العبيد، مدير مكتب غياث دلّا، حيث نجح أيضًا في اختراق هاتفه وتسجيل عدد من مكالماته. ومن هذه النقطة، أحكم "عاكف" قبضته: سجّل المكالمات مع المتهم بارتكاب مجازر وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، خاصة في داريا ومعضمية الشام غيّاث دلّا ومنه أوقع لاحقًا بمبتكر البراميل المتفجّرة سهيل الحسن الملقب بـ"النمر"، الذي تمكّن كذلك من اختراق هاتفه وتوثيق مكالماته، لتظهر من خلالها معلومات تشير إلى تبني ابن خال بشار الأسد، رامي مخلوف قضية "الفلول"، وإلى طبيعة العلاقة المباشرة بين الحسن ومخلوف، حيث كان يؤكد مرارًا أنه يعمل وفق توجيهاته وتعليماته.
وبعد محاولات للوصول إلى رامي مخلوف عبر سهيل الحسن، ثم عبر التواصل المباشر على رقمه الشخصي، بدا واضحًا أن مخلوف كان الأدهى فأغلق الطريق تمامًا أمام أي تواصل مفتوح، مكتفيًا بإشارات مقتضبة لا تسمح بمتابعة أي اختراق إضافي، ليغلق بذلك الحلقة الأخيرة في واحدة من أكثر العمليات تعقيدًا وتدرّجًا في الاختراق والتلاعب بمطلوبين دوليين فارّين من العدالة في لجوء إنساني بين لبنان وروسيا.
خرجت تسريبات عاكف للإعلام، وسرعان ما تُرجم الضغط الإعلامي تحرّكات أمنية بلا نتائج. عمليات تفتيش في الشمال، قامت بها الأجهزة المعنية، اعتبرها البعض "تنفيسة شارع" وصار ملف تمركز ضباط نظام بشار الأسد في لبنان عالقًا بين الواقع المرير والاستعراض، من دون أي مسار تحقيق فعلي أو حسم أمني.
الأخطر، ما كشفه المحامي محمد صبلوح عن محاولة تصفية الضابط في الفرقة 14 في الجيش السوري محمد عبد الرحمن سليمان، المعروف بـ "غدير الحوري"، على الأراضي اللبنانية بعد استدراجه إلى جبل تربل في العاشر من كانون الأول الماضي، وإطلاق النار عليه ونقله مصابًا إلى مستشفى سيدة زغرتا. ويشرح صبلوح لـ "نداء الوطن" أنها ليست المرّة الأولى التي تكون فيها تصفية حسابات "جنرالات الأسد" على الأراضي اللبنانية، إذ سبق أن قُتل غسان النعسان، المعروف بلقب "الطرماح" وعُثر على جثته مصابة بطلقات نارية في منطقة تلة أبو عضل، الواقعة بين أدما والصفرا في قضاء كسروان في حادثة سرعان ما فتحت الباب أمام سيل من التساؤلات حول طبيعتها وخلفياتها.
وفي حادثة المدعو محمد عبد الرحمن سليمان قال صبلوح لـ "نداء الوطن" إنه "كان محميًّا حتى خروجه من المستشفى في 16 كانون الأول، لذا نطالب بالكشف عن الأجهزة التي حمته، وعن تفاصيل التحقيق الذي فُتح في قضيته بخاصة أنه من ضباط نظام الأسد، ولا يزال في لبنان".
أوضح صبلوح أنه على "لبنان الاختيار بين محاكمة ضباط الأسد المطلوبين للعدالة ومن الإنتربول، بحكم تطبيق الاتفاقيات الدولية بخاصة منها المعنية بمناهضة التعذيب، كونهم ارتكبوا جرائم حرب وإبادة جماعية وتعذيب. وبين تسليمهم لقضاء دولتهم السورية".
كل ذلك حرّك النقاش في الشارع الشمالي، ولا سيما في عكّار. وعلى وقع هذا الجدل، نُظِّمت وقفة سلمية في قاعة يلدزلار – بلدة الكواشرة في عكّار رفضًا لتحويل شمال لبنان إلى ملجأ لضباط نظام الأسد واعتراضًا على أي غطاء أمني - سياسي لمن ارتبطت أسماؤهم بالمجازر والتفجيرات في سوريا. المشاركون شدّدوا على ازدواجية المعايير بين التعامل القضائي الصارم مع من ناصر الثورة السورية خصوصًا منهم من هم في السجن حاليًا بلا محاكمة، مقابل ما وصفوه بتغاضٍ فاضح عن مخرّبين مطلوبين للعدالة تابعين لنظام الأسد يستخدمون لبنان كساحة لتمرير مشاريع من شأنها تهديد السلم الأهلي.
بهذه المعطيات، يبدو أن ملفّ "فلول الأسد" في لبنان أبعد بكثير من الحلّ الجدي. وأمام شبكة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والسياسية، وتتداخل فيها أدوار دول وأجهزة وجهة داخليّة مُسلّحة تتخذ وضعية "اعمل نفسك ميّت" بالتعامل مع هذا الملف. يبقى لبنان مرّة أخرى ساحة مفتوحة على الاحتمالات الأخطر.
في الجزء الثاني، غدًا، نكشف مزيدًا من التفاصيل حول خيوط التمويل، مسارات الحركة، وأسماء جديدة في قلب هذه الشبكة… وكيف تحوّلت الجغرافيا اللبنانية إلى واجهة لعمليات ظلّ تتجاوز حدود البلد وحدود اللامبالاة الرسمية.