سيناريو كوارثي قد يرافق قرار ترامب بانسحاب أميركا من منظمة الصحة العالمية

عاد دونالد ترامب للمرّة الثانية إلى الحكم، وبات الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة. ومن الخطوات الأولى التي اتخذها بعد مضي بضع ساعات على انتهاء مراسم تسنّمه سدّة الرئاسة انسحاب الولايات المتحدة من "منظمة الصحة العالمية". لم يكن القرار  مفاجئاً، بل كان أكثر توقعاً حتى من قرار الانسحاب من "اتفاق باريس للمناخ 2015". وقد ساد نقاش واسع عن قرار الانسحاب من تلك المؤسسة العالمية، خصوصاً في الأيام القليلة التي فصلت فوزه بانتخابات الرئاسة 2020، وتسلّمه سدّة الحكم في 2021، بحسب ما ورد في موقع مجلة "ساينس" (science) العلمية الذائعة الصيت وغيرها من وسائل الإعلام العام.

واستكمالاً، ينسجم قرار الانسحاب مع توجّه أوسع لدى ترمب حيال المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف، خصوصاً الولايات المتحدة. وبوضوح، تشير عدم تسميته أيّ مرشح لإدارة "الوكالة الأميركية للتنمية" (USAID) الدولية، وتصريحاته قبل تنصيبه رئيساً، إلى موقفه. 

لقد بدأ ترامب بتطبيق عملية الانسحاب من "م ص ع" في يوليو/تموز 2020، خلال فترة ولايته الرئاسية الأولى. ولكن تلك الخطوة تستغرق أشهراً عدة. لذا، تمكّن الرئيس جو بايدن من عكس القرار حينما تولّى منصبه في يناير/كانون الثاني 2021. ومن المرجّح أن يدخل قرار ترمب الانسحاب من "م ص ع" حيز التنفيذ خلال وقت ما من يناير/كانون الثاني 2026. ويضع هذا القرار الولايات المتحدة إلى جانب ليشتنشتاين باعتبارهما الدولتين الوحيدتين في الأمم المتحدة غير المنضمتين إلى منظمة الصحة العالمية.


أسباب دفعت ترامب إلى ذلك الانسحاب

ذكر فريق دونالد ترامب أن ما دفع ترمب إلى الانسحاب من "م ص ع" يتمثل بتقارب تلك المنظمة الدولية مع الصين. وكذلك زعم الرئيس الأميركي أن تلك المنظمة ساعدت في التغطية على الانتشار الأوليّ لفيروس "كوفيد 19" (covid-19)، وتأخّرها في اتخاذ الإجراءات اللازمة.

دلالة الانسحاب الأميركي من "م ص ع"

تعدّ الولايات المتحدة المانحة الكبرى لـ"منظمة الصحة العالمية" التي تبلغ موازنتها السنوية حاضراً قرابة الـ 3.4 مليارات دولار. وتدفع أميركا رسوماً للعضوية فيها تبلغ نحو 110 ملايين دولار سنوياً، بالإضافة الى مساهمات بلغت 1.1 مليار دولار في عامي 2022 و2023. وبشكل تقريبي، تبلغ المساهمة الأميركية قرابة خُمس موازنة "م ص ع" حاضراً.

واستكمالاً، قد يعوّض أعضاء آخرون جزءاً من الفراغ المالي الذي أحدثه القرار الترامبي، على غرار ما حدث حينما خفضت مساهمات الولايات المتحدة في المنظمة نفسها خلال ولاية ترامب الأولى. لكن الدول الأوروبية تواجه حالياً تحدّيات مثل ركود اقتصاداتها والضغوط لزيادة الإنفاق الدفاعي بأثر من حرب أوكرانيا وما إلى ذلك. بالتالي، قد تؤثر تلك المعطيات وغيرها على القرارات الأوروبية المتعلّقة بخروج الولايات المتحدة من "م ص ع" وتزيد الشكوك بشأن قدرتها على ملء الفراغ الأميركي فيها.

كيف تؤثر الولايات المتحدة على الصحة العالمية؟

إن الأموال التي تقدمها الولايات المتحدة لـ"منظمة الصحة العالمية" تمثّل جزءاً صغيراً من إجمالي إنفاق تلك الدولة، ولكن تلك الأموال تساعد الملايين من البشر عالمياً في أمور محورية تشمل، مثلاً، الاستجابة الطارئة للأمراض المتفشية. وكذلك تشحن أميركا مليون لقاح من نوع "إم بوكس" (Mpox) المضاد لجدري القردة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتنفق على مراقبة الأنفلونزا في تشيلي، والاستجابة العالمية للطوارئ الصحية على غرار ما حصل بعد تفشٍ وبائي لفيروس "إيبولا" (يسبّب حمى ونزيفاً) في غربي أفريقيا بين عامي 2014 و2016.
كذلك يؤثر خروج الولايات المتحدة على علاقات "منظمة الصحة العالمية" بوكالات صحية أميركية مرموقة مثل "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" [اختصاراً "سي دي سي" (CDC)]، و"إدارة الغذاء والدواء" وغيرهما. وتعمل تلك الوكالات على تقديم إرشادات متنوعة إلى "م ص ع" بشأن مجموعة من المواضيع الصحية، وتتلقّى منها معلومات كثيرة أيضاً في ذلك الإطار. وبالتالي، من شأن خروج واشنطن من تلك المنظمة العالمية أن يعزل "سي دي سي" عن بيانات ومعلومات عالمية حسّاسة، مع تعريض الأمن الصحي في أميركا والعالم لمخاطر جمة.
 

أيضاً، يمكن أن تفقد الولايات المتحدة صوتها المؤثر في "الجمعية العامة للصحة" (World Health Assembly)، أي الاجتماع السنوي للدول الأعضاء لانتخاب المدير العام لـ"م ص ع"، ومراجعة وإقرار ميزانية تلك المنظمة، وتحديد سياسات بشأن قضايا كالقضاء على الأمراض، ومكافحة التبغ، والمساواة في توزيع اللقاحات.

ماذا بعد قرار ترامب حيال "م ص ع"؟

إنّ انسحاب الولايات المتحدة من "م ص ع" قد يفسح الفرصة لدول أخرى تسعى لزيادة دورها في تلك المؤسسة الدولية، كالصين وروسيا ودول أخرى قد تغيّر أسس عمل "منظمة الصحة العالمية". 
كذلك ستفقد واشنطن حقها بالحصول على معطيات، بالرقابة، وبالجلوس على طاولة التفاوض ومحاسبة الدول الأخرى عندما يكون هناك وباء أو جائحة. 
من الواضح أنه مع ولايته الجديدة، يعود دونالد ترامب لتطبيق أفكار ومبادئ تمثل شخصه ومجموعته. 

تذكيراً، انضمت الولايات المتحدة إلى "منظمة الصحة العالمية" بموجب قانون مشترك بين مجلسي الكونغرس [الشيوخ والنواب] في العام 1948. لذلك، قد يتدخّل الكونغرس  في مسألة هذا الانسحاب. ومع تمتع الجمهوريين بالأغلبية في المجلس، فهذا يخفض إمكانية إلغاء القرار الترامبي. 

كذلك يرجّح أن تتدخّل جهود دبلوماسية بهدف إبقاء الولايات المتحدة ضمن "م ص ع". في المقابل، قد تستخدم الإدارة الأميركية الجديدة  التهديد برحيلها كورقة مساومة لفرض إصلاحات كبيرة تجعل "منظمة الصحة العالمية" أكثر مرونة وقوة وتجاوباً مع المساءلة.
ويضاف إلى ذلك أن الإبقاء على عضوية الولايات المتحدة في "منظمة الصحة العالمية" من شأنه أن يمكن ترامب من الدفع بمرشح يختاره كخليفة للدكتور تيدروس غبريسوس الذي تنتهي ولايته في عام 2027. وفي المقابل، إن تنفيذ خطة ترامب في الانسحاب من "م ص ع" قد يؤدي إلى نتائج كارثية بالنسبة إلى المصالح الوطنية والأمنية للولايات المتحدة.