شاكر والأسير وجهًا لوجه: اللقاء الأول بعد 13 عامًا

هي المرّة الأولى التي يلتقي فيها الشّيخ أحمد الأسير والفنّان فضل شاكر منذ افتراقهما زمن أحداث عبرا العام 2013.

13عاماً من الافتراق، قضى الشّيخ الأسير منها 11 عامًا في السّجن منذ توقيفه في العام 2015. أما شاكر فقضى 13 عامًا منها في منزلٍ استقرّ فيه في منطقة التّعمير في مُخيّم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين.

لم يجتمع الأسير وشاكر هذه المرّة تحت قبّة مسجد بلال بن رباح في عبرا. جمعتهما قاعة محكمة جنايات بيروت في الطابق الثالث من مبنى قصر عدل بيروت في جلسة علنية حضرها بعض الصحافيين المعتمدين هناك. لا ترتبط جلسة "الجنايات" ارتباطًا مباشرًا بأحداث عبرا. لكنها ترتبط بها بشكلٍ غير مباشر، على اعتبار أنها مخصّصة للبتّ بالدّعوى المقدّمة من مسؤول "سرايا المقاومة" في عبرا هلال حمود ضدّ الأسير وشاكر وعناصرهما بتهمة محاولة قتله بإشكال وقع قبل الأحداث الأساسية بفترة قليلة.

لم تكُن مواكبة الجلسة وحضورها بهذه السّهولة. فقد عجّ مبنى "العدليّة" بعناصر مخابرات الجيش والأجهزة الأمنيّة، الذين اتّخذوا كلّ الإجراءات لتسهيل وصول الشّيخ الأسير وفضل شاكر إلى داخل قاعة المحكمة بتمام السّاعة 11 ظهرًا من دون أن يتمكّن "الفضول المهنيّ" من التقاطِ صورٍ لهما أو لأحدهما، سوى تلك التي نشرتها "المدن" لشاكر من داخل قاعة المحكمة.

وصلَ كُلٌّ منهما من اتجاهٍ. جاءَ فضل شاكر من سجنِه في وزارة الدّفاع الوطنيّ في اليرزة بمواكبة من مديرية المخابرات في الجيش اللبنانيّ. أمّا الشيخ الأسير فكان مجيئه من "سجن رومية" بمواكبةٍ من شعبة المعلومات في قوى الأمن الدّاخلي.

قبل بدءِ الجلسة بـ10 دقائق وصل الرّجلان إلى مبنى قصر العدل. دخل الشّيخ الأسير قاعة المحكمة مُرتديًا عباءة بنيّة وقلنسوة، وقد بدا عليه الشّيب الذي غزا لحيته بشكل شبه كامل. أمّا فضل شاكر، فدخل مُرتديًا سترة سوداء، ونظّارات سوداء أصرّ عليه رئيس المحكمة القاضي بلال ضنّاوي أن يخلعها، ولم يقبل حجّة شاكر بأنّها نظارات طبية.
جلس الرجلان وقليلًا ما كانا ينظر أحدهما إلى الآخر. فالخلاف الذي رفض الشيخ الأسير أن يُفصِح عن سببه، بدا واضحًا بين الرجلين.
 

فضل شاكر: كنت نائمًا...
أنكر شاكر في إفادتهِ أمام المحكمة تشكيله أيّ فصيل مسلح. وكرّر أنّه يلتزم بإفادته التي أدلى بها أمام مديريّة المخابرات في الجيش اللبناني، والتي قال فيها إنّ العناصر الذين معه هم للحماية وليسوا فصيلًا مسلّحًا.

هذا دفع القاضي ضنّاوي لسؤال شاكر عن وجود مدفع "هاون" ضمن المضبوطات التي وُجِدت مع عناصره بعد أحداث عبرا. ردّ شاكر أنّه شكّل مجموعة من أقربائه ورفاقه لحمايته بعدما تعرض للابتزاز المالي من قبل رئيس بلدية حارة صيدا سميح الزين (أبو مشهور). تضمّن ذلك، بحسب إفادة شاكر، توزّع ما يزيد عن 50 مسلّحًا على أسطح المباني المجاورة لمنزله. وأضاف أنّ الأجهزة الأمنية غضّت النظر عن هذه الخطوات، على الرغم من معرفتها.

دفعت هذه الخطوات شاكر إلى الاستعانة بشركة أمن وحماية، لكنّ نجل شقيقه عرض أن يقوم أفراد عائلته بحمايته، فشكّل مجموعة من 12 شخصًا كان يرأسها شقيق فضل عبد الرحمن شمندر (أبو عبد شمندور) الذي قُتلَ لاحقًا في أحداث عبرا.

كشف الفنّان اللبناني أنّه كان يُعطي المال لمجموعة حمايته لشراء السّلاح، من دون أن يعرف ماهيّة الأسلحة التي يشترونها.

بادره القاضي ضنّاوي بالسّؤال: لماذا لم تُقدّم شكوى أمام القضاء والأجهزة الأمنيّة؟

أجاب شاكر أنّه كان مُهدّدًا من النظام السوري السابق فيما لم تكن الدّولة فاعلة وموجودة على الأرض. وهذا أدّى إلى إحراق منزله وسرقة مبلغ مليون دولار أميركي منه.

أنكر شاكر معرفته بهلال حمود، وأكّد أنّه لم يلتقِ به إطلاقًا، على الرّغم من أنّه يعرف عنه كونه مسؤول "سرايا المقاومة" في المنطقة. ووقت الحادثة قال شاكر إنّه كان نائمًا في منزله وقت حصول الإشكال مع حمّود. 

اتهم شاكر هلال حمود بأنّه أقام هذه الدّعوى ضدّه بهدف الابتزاز الماليّ. لكنّ القاضي ضناوي سأله عن سبب إسقاط حمود الدعوى الشخصية ضده، فأجاب أنّ حمود أسقطها مقابل مبلغ من المال نقله وسيط.
أكّد الشيخ الأسير رواية فضل شاكر أنّه لم يطلق النّار أو يُهدد هلال حمود. وقال الأسير عن هذه الحادثة أنّ فضل لم يكن باستطاعته يومذاك استخدام مُكبّرات الصّوت الخاصة بمسجد بلال بن رباح من دون إذن منه، وأكّدَ أنّه كان على خلافٍ وقتها مع شاكر، وهذا يؤكد أن الأخير لم يُهدّد هلال حمّود، فكيف يقوم بإطلاق النار عليه.
لكنّ الشيخ الأسير قال إنّ سبب إقدام حمود على رفع الدّعوى كان بدفعٍ من "حزب الله" بعدما تقدّم الأسير بدعوى أمام القضاء على خلفيّة مقتل مهندسيْن من مجموعته في وقتٍ سابق على يد مناصرين لحزب الله في صيدا.

شهدت الجلسة أخذًا وردًّا بين ممثّل النيابة العامة القاضي ميشال الفرزلي وفضل شاكر. إذ اعتبرَ الفرزلي إفادة شاكر متناقضة. أمّا شاكر فقال إن النيابة العامة تحاول الإيقاع به. ولمّا سُئلَ من قبل الفرزلي عن مقتل أخيه في صفوف مجموعة الأسير في أحداث عبرا، بعدما قال شاكر إنّ مجموعته منفصلة عن مجموعة الأسير، أجاب بأنّه لا سلطة له على مجموعته التي كان عناصرها يتحركون بشكلٍ منفرد وُفقَ ما تقتضيه الظّروف.

كنتُ على خلافٍ مع الأسير..
ذهب فضل شاكر في إفادته إلى أنّ الاتهامات الموجّهة إليه مبالغٌ فيها. وكشف أنّه كان على خلافٍ مع الشّيخ أحمد الأسير قبل وقوع أحداث عبرا، وذلك بسبب تراكمات سببها ما سمّاه "تجاوزات لعناصر مجموعة الشيخ الأسير"، لم يُحدّد شاكر ماهيّتها. هذا دفع الأسير، ودائمًا بحسب إفادة شاكر، أن يطلبَ من شاكر مغادرة المنطقة مع مرافقيه.

دفع الخلاف مع الأسير فضل شاكر لأن يبدأ مفاوضات مع مخابرات الجيش لتسوية أوضاع مرافقيه ووقف الملاحقات بحقّهم. لكنّ أحداث عبرا وقعت ولم يستطع استكمال التسوية. إذ كان يتواصل بشأنها مع العميد محمد الحسين من مخابرات الجيش.
 

إفادة الأسير: أخبرت ميقاتي وشربل..
بدا الشيخ الأسير هادئًا ومتماسكًا أكثر من فضل شاكر الذي كان انفعاليًا. وأكّد أنّه شكّل مجموعة مسلّحة تحت اسم "كتائب المقاومة الحرّة" قبل وقوع أحداث عبرا بـ3 أشهر. قال إنّ سبب ذلك هو تقاعس الأجهزة الأمنيّة عن حمايته وأتباعه بعد مقتل المهندسيْن من مناصريه، وتصاعد الاعتداءات التي وصلت إلى محاولة "الحزب" و"السرايا" قتل ابن وشقيق الأسير. كما أنّ إسرائيل كانت تهدد باجتياح الجنوب في ذلك الحين.

كذلك كشف الأسير أنّه بلّغ رئيس الحكومة حينذاك نجيب ميقاتي بتشكيل المجموعة، لكنّ الأخير طلب منه ألّا يعلن عنها. وقال إنّ وزير الداخلية الأسبق مروان شربل لم يمانع تشكيل المجموعة وقال للأسير إنّ الجنوب له خصوصيّة.

أكّدَ الشيخ الأسير ما قاله فضل شاكر عن خلاف بينهما. لكنّه قال إنّه لن يُفصِح عن سبب الخلاف، وسيتحفّظ عن ذلك أمام المحكمة كما تحفظ عن ذكرِ ذلك في التحقيقات أمام الأجهزة الأمنيّة، وقال: "أتمسّك بالآية الكريمة "ولا تنسوا الفضل بينكم"، وفضل أخي وأحبه ولو كنّا على خلافٍ لكنّنا ناصرنا نفس القضايا وأبرزها الثّورة السّوريّة، وفضل شاكر لم يُموّل مجموعتي نهائيًا".

كانت نهاية الجلسة بعدما استجوب القاضي ضناوي ثلاثة متهمين أيضًا ورفعها على أن تُستكمل المحاكمة بتاريخ السادس من شباط المقبل للاستماع لإفادة المدّعي هلال حمّود وللاستماع لمرافعة النيابة العامة قبل إصدار الحكم النهائيّ.