"شجاعنا الحيّ" جوزاف عون

يقف جوزف عون بشجاعة منقطعة النظير عند فوهة البركان. الرصاصة صارت أقرب إلى مقتله. وتحضير الأرضيّة قائم على قدم وساق. لكنّه كالجبل الذي لا يتزحزح. يمضي إلى غايته كمن يُهرول إلى حتفه، دون أن ترتجف له يد أو تهتزّ له قامة.

كان يمكن لجوزف عون أن يتريّث وينتظر بهدوء عند ضفّة النهر. فكلمة الفصل هي للبوارج والفرقاطات والمقاتلات التي شرعت بضرب رأس الأخطبوط في طهران. ولحصار الحصار الذي أصاب النظام في نخاع شوكه. وللإرباك المستفحل في أروقة صنّاع القرار: بين مرشد غائب أو مُغيَّب، وحرس قديم يمتهن الانتحار، وبقيّة باقية تجنح للتسليم أو الاستسلام.

كان يمكن لجوزف عون أن ينتظر نتائج الإقليم ليبني على الشيء مقتضاه. لكنّه أبى. تجاوز منذ اللحظة الأولى لعمليّة إسناد طهران كلّ السقوف التي أوجدها لضبط حركته على إيقاع التوافق الداخليّ. كان يردّد على الدوام أنّ الشريحة الجريحة تحتاج من يبلسم لها جرحها لا من يرشّ فيه الملح، وقد حاول بلا توقّف وبلا انقطاع،  لأكثر من سنة عهده الأولى وتحمل كل الاتهامات العربية والدولية واللبنانية، حتّى صار البعض منّا ينتقد محاولاته وصبره ومناشداته. ظلّ يقول إنّ الدولة ماضية في استعادة قرارها، لكنّه لا يريد لهذه الاستعادة أن تكون بالخلع والكسر، بل بالحكمة والتعقّل. ناشد أصحاب العقل أن يلجموا الاندفاع نحو الجنون. لكنّهم اندفعوا ودفعوا معهم الجميع نحو جحيم ليس له قرار.

الوقوف بوجه العاصفة

يدرك جوزف عون أيّ مسؤوليّة تاريخيّة قاتلة هي تلك التي يحملها فوق كتفيه. ويدرك أيضاً أنّه التقط أكثر خطوط التوتّر خطورةً على الإطلاق. هو يعلم علم اليقين أنّ العقل العدميّ في الحرس الثوريّ لن يتورّع عن قتله متى استطاع، وأنّ ما يُعدّ في مطابخ السياسة والإعلام من وجبات التخوين وهدر الدم، لا يعدو كونه تحضيراً لأرضيّة الاغتيال، لكنّه على سجيّة القائد الشجاع، ذاك الذي يحمل دمه ويمضي، غير آبهٍ بتهديد أو وعيد أو موت مُحتّم.

سيكتب التاريخ يا فخامة الرئيس في صفحاته المشرقة أنّ رجلاً من قماشة الرجال الرجال جرؤ بعد عقود من الإخضاع والتطويع وكسر الإرادات على الوقوف بوجه العاصفة، عبر اتّخاذ قرار تاريخيّ بفصل المسارات، واستعادة كرسيّ لبنان إلى طاولة الأمم، بعدما سرقه حافظ الأسد، ثمّ نجله ونظامه، قبل أن يستقرّ كورقة ضاربة في جيب المدّ الإيرانيّ.

سيكتب التاريخ أيضاً يا فخامة الرئيس أنّ كثرة كاثرة من رجالات الدولة كانوا بلا طعم ولا لون. انقضت عهودهم وأزمنتهم كما انطلقت. حضورهم والفراغ سيّان. لا شيء من سيرتهم بقي في عميق النفوس وفي يوميّات الناس والبلد. وسيكتب أيضاً عن قلّة قليلة من أولئك الذين حاولوا أن يخرجوا ويُخرجوا البلاد من عنق الزجاجة، فكانت قبورهم أوسع من قصورهم، لكنّ سيرتهم الوطنيّة ظلّت على الدوام حدّاً فاصلاً بين الحقّ وسواه.

الكثرة الكاثرة معك

كلّ من حاول إنقاذ هذه البلاد حُكِم عليه بالموت يا فخامة الرئيس. هو شهيد حيّ إلى أن تحين ساعته. صحيحٌ أنّنا الآن في ربع الساعة الأخير من القتل، والنمر يصير فتّاكاً متى صار جريحاً. لكن لا مناصّ من الصمود. فهذه الغيمة سوف تمضي. وهذا الصبح سيشرق بعد طول انتظار.

عاهدتنا يا فخامة الرئيس أن تأخذ بيد هذه البلاد إلى حيث يجب أن تكون. وعهدنا لك أن نظلّ خلفك وإلى يمينك وإلى يسارك وأنت تعبر بنا النهر الذي ننتظر عند ضفّته منذ نصف قرن. هذا قدرك وقدرنا جميعاً: لا مكان للتراجع ولا مكان للتردّد ولا مكان للخوف.

سِرْ يا فخامة الرئيس. الكثرة الكاثرة من اللبنانيّين معك. فلا تلتفت لأرعن من هنا أو مشتبه فيه من هناك. لقد ولّى زمانهم. وانتهت سرديّتهم. والخيانة يرتكبها من يسحلنا ويسحل أهله إلى الهلاك المجّانيّ، لا من يُخرجنا من متاهة الأوهام والأجندات القاتلة.