المصدر: الشرق الأوسط
الكاتب: نخلة عضيمي
الاثنين 30 آذار 2026 07:10:51
دقت الساعة الثانية عشرة منتصف الليل. الطريق من السفارة الإيرانية باتجاه مطار رفيق الحريري الدولي غابت عنه المواكب الدبلوماسية one way ticket باتجاه طهران. هكذا تحوّل السفير الإيراني في لبنان محمد رضا شيباني من مطرود إلى طريد العدالة والقانون.
فشيباني المنقلب على الدولة اللبنانية انتقل من سفير دولة الملالي في بيروت إلى سفير للحرس الثوري الإيراني لدى ميليشيا "حزب اللّه" وهو قابع كمطلوب خارج عن القانون بين جدران السفارة بعدما انتهت المهلة المعطاة له للمغادرة.
هنا، سؤالان مطروحان. ماذا ستفعل الدولة اللبنانية حفاظًا على هيبتها في وجه الانقلاب السافر؟ وماذا سيفعل "الثنائي الشيعي" وتحديدًا "حزب اللّه" دفاعًا عن ولي نعمته؟
تقول المصادر لـ "نداء الوطن" إن الخطاب الذي سيتبناه "الثنائي" في هذا الملف سيقوم على مجموعة مرتكزات واضحة:
• أولًا: السفير الإيراني يمثل دولة صديقة للبنان وليست دولة معادية.
• ثانيًا: ما جرى هو استهداف سياسي لإيران أكثر من كونه تصحيحًا لمسار دبلوماسي.
• ثالثًا: السلطة اللبنانية تتساهل مع انتهاكات أخطر تمسّ السيادة اللبنانية، لكنها تتشدّد فقط في الملف الإيراني.
• رابعًا: توقيت القرار يشي بأنه جزء من عملية إعادة تموضع إقليمية لا مجرّد خلاف دبلوماسي تقني.
• خامسًا: أيّ مسّ بالعلاقة مع إيران لن يُنظر إليه داخل بيئة "الثنائي" إلّا كجزء من محاولة تطويق المقاومة وتجريدها من عمقها السياسي والاستراتيجي.
بعبارة أخرى، فإن "الثنائي" سيحاول نقل النقاش من سؤال: "هل خالف السفير الأصول الدبلوماسية ويجب طرده"؟ إلى سؤال أكبر هو: "هل هناك قرار بإخراج إيران من لبنان سياسيًا؟".
بحسب أكثر من مصدر سياسي وإعلامي متقاطع، فإن الاحتمال الأرجح هو أن "الثنائي" سيتعاطى مع الأمر وكأنه لم يكن، وهو أبلغ بعض المعنيين بالتنفيذ، بالقرار. وتقول المصادر إن "الثنائي"، وتحديدًا حركة "أمل"، لا يحبّذ امتثالًا سريعًا ومنخفض السقف للقرار، لأنه يعتبر أن المغادرة السهلة تعني إقرارًا ضمنيًا بشرعية الرواية المقابلة، أي أن السفير كان يتجاوز دوره الدبلوماسي فعلًا.
لكن في المقابل، تضيف المصادر أن "الثنائي" يعرف أيضًا حدود اللعبة، ويدرك أن تحويل السفير إلى رمز مواجهة ميدانية مباشرة مع الدولة وعلى رأسها رئيس الجمهورية جوزاف عون قد يرتدّ عليه داخليًا وخارجيًا، لذلك هو سعى لإبعاده عن نيران هجومه محوّلًا تلك النيران باتجاه وزير الخارجية جو صدّي. وبالتالي قد يسعى إلى مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه: إمّا عبر إعادة توصيف القرار، أو عبر إخراجه في إطار تفاهم دبلوماسي غير معلن، لا سيّما بعد اتصال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي برئيس مجلس النواب نبيه بري والذي أعلن فيه التزام إيران بسيادة لبنان، أو عبر تحويل المغادرة إلى خطوة إجرائية لا إلى هزيمة سياسية.
وفي هذا السياق، برزت تقارير تحدثت صراحةً عن أن "الثنائي الشيعي" طلب من السفير الإيراني عدم الالتزام بقرار سحب اعتماده وعدم مغادرة بيروت فورًا، في مؤشر على أن الاعتراض داخل هذا المحور هو جوهريّ بامتياز.
إذًا، شيباني باقٍ مرحليًا داخل جدران السفارة إلى أن تنضج ظروف محدّدة مغايرة تدفعه إلى الرحيل.
حين تسقط الدبلوماسية
على خط آخر، تحاول طهران القول إنها لا تزال تسيطر على الدولة اللبنانية، وهي التي تغنت يومًا بأنها تسيطر على عدة عواصم عربية ومنها بيروت. وتشير المعلومات إلى أن لا اتصالات مع أيّ مرجع لبناني باستثناء الرئيس بري. وقد استبقت هذه الخطوة بتحرك دفاعي عندما أعلنت أن إسرائيل تستهدف دبلوماسييها في بيروت. وقد نعت عددًا من دبلوماسيّيها وهم: محمد علي زكي، مجيد حسني كندسر، صادق ذاكرى كيا، علي رضى بيآزار، حسن أحمدلو.
إلّا أنها أغفلت، عند نشر صورهم أنها أرفقت مع كلّ اسم رتبة عسكرية ضمن الحرس الثوري، ما يؤكد أنهم كانوا يؤدّون مهمات عسكرية لا دبلوماسية. علمًا أنهم دخلوا لبنان تحت عباءة الدبلوماسية في حين أظهرت الوثائق أنهم عناصر تابعون لفيلق القدس. كما لا يمكن نسيان اقتناء البيجر من قبل السفير الإيراني السابق وانفجاره بين يديه.
أمام كلّ ذلك، سقطت الأكاذيب الإيرانية. ويقول دبلوماسي سابق إن الحصانة ليست رخصة للتمرّد على الدولة المضيفة ولا لتحويل السفارة إلى غرفة عمليات. ويعتبر الدبلوماسي أن السفير أصبح في موقع الفارّ من تنفيذ قرار الشرعية وسفيرًا لدى "الثنائي" وممثلًا لمحور ولمشروع تدميري عقائدي.
السؤال ماذا بعد؟
إذا عجزت الدولة أمام الانقلاب، فهذه رسالة إلى الداخل اللبناني بأن هناك من هو أعلى من الدولة وأقوى من قرارها. فهل ستخوض معركة السيادة حتى النهاية؟ وهل يمكن أن نشهد قرارًا في مجلس الوزراء وبغياب وزراء "الثنائي" طبعًا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران؟ حتى الآن، الدولة لن تتراجع ولو 1 % لكنها ستتعاطى مع قطع العلاقات ضمن سياسة التريّث بانتظار ظروف جديدة هي غير متوافرة حتى الساعة.