صندوق النقد في بيروت: قضية المودعين نقطة خلاف

تحطّ غداً الثلثاء بعثة صندوق النقد الدولي التي يرأسها إرنستو راميريز ريغو في لبنان، للقاء عدد من النواب ورئيس مجلس النواب والحكومة وجهات اقتصادية مصرفية وجمعيات مجتمع مدني. وتطرح البعثة في الزيارة التي هي الثانية بعد زيارتها الأخيرة في آذار الماضي، علامات استفهام حول الغاية منها في ظلّ عدم قيام الحكومة ومجلس النواب بأي إصلاح أو إقرار قانون إصلاحي كما حُدّد في الإتفاق على المبدئي الذي وقّع في نيسان 2022.

في الزيارة الأخيرة التي قامت بها بعثة صندوق النقد الى لبنان أعلن ريغو في مؤتمر صحافي أن لبنان يمر بمرحلة خطيرة للغاية، في ظل انهيار اقتصادي متسارع، محذّراً من أن التقاعس في تطبيق الإصلاحات من شأنه أن يدخل البلاد في أزمة لا نهاية لها».

إلا أن السياسيين لم يتحرّكوا قيد أنملة، ولم يوقظوا ساكنهم في مجال الإصلاحات المنشودة، والتخلّي عن المحاصصات والإنحيازات والتكتّلات، فاستمرّوا في سياسة إضاعة الوقت وعدم اقتناص فرصة الحصول على تمويل بقيمة 3 أو 4 مليارات دولار سينعكس مادياً ومعنوياً على لبنان ويضعه على سكّة الخروج من الأزمة اذا طبقت الاصلاحات وبادر المجتمع الدولي الى زيادة مساعدة لبنان واقراضه.

لا تشريعات بعد

في ظلّ ذلك الواقع أجاب نائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور سعادة الشامي لـ»نداء الوطن» وهو كان الجهة المخوّلة او المفوضة بالتفاوض مع صندوق النقد، لدى سؤاله، ماذا ستقول لوفد الصندوق الذي سيزور لبنان عن «إنجازات» الحكومة ومجلس النواب طوال الفترة المنصرمة، قال: «سنقول لهم الحقيقة إنه لم تحصل تغييرات من آذار الى اليوم، لم تقرّ تشريعات في مجلس النواب، لم تصدر قرارات جديدة، وإن ما حصل فقط هو تغييرات في مصرف لبنان» أي انتهاء ولاية حاكم «المركزي» وتولّي النائب الأول ولاية الحاكمية بالإنابة.

بلومبيرغ من خطة الحكومة

وفي السياق وحول رأي صندوق النقد الدولي في منصّة «بلومبيرغ» التي تمّ إقرارها في جلسة مجلس الوزراء، قال الشامي: «إن منصة بلومبيرغ ليست طرحاً جديداً بل وردت في الخطة التي أعدتها الحكومة من دون الإقدام على ذكر كلمة «بلومبيرغ». بل تمت الإشارة الى أن منصة «صيرفة» ليست مستدامة. اذ ورد في خطة الحكومة أنه يجب ان يكون لدينا منصّة شفافة يتمّ من خلالها العرض والطلب أي الشراء والبيع وبناء عليه يتحدّد سعر صرف الدولار في السوق».

واعتبر الشامي أن «بلومبيرغ هي وسيلة وليست غاية لتتم عمليات التداول عبرها، باعتبارها منصة عالمية على غرار منصّة Refinitiv المعتمدة في العالم أيضاً، لكن الخيار وقع على «بلومبيرغ» لأن هناك نحو 13 مصرفاً او أكثر مستوفية الشروط جاهزة للتعامل مع بلومبيرغ. وبذلك تلك المنصة ليست إختراعاً جديداً بل من توصيات الحكومة وتحديداً مذكرة التفاهم.

التسعير أسبوعي

يقول الشامي إن نظام أو «سيستم بلومبيرغ» يربط المصارف ببعض فيتم العرض وعلى اساسه يحصل الطلب ويتحدّد السعر يومياً ومصرف لبنان يكون على اطلاع بما يحصل. واذا تراءى للبنك المركزي أن هناك تحرّكات بسعر الصرف ناجمة عن مضاربات عندها يتدخّل. وبذلك سعر صرف الدولار سيتحرّر ويتوحد وفقاً للعرض والطلب، من خلال المصرف المركزي. فسعر الصرف الذي سيعتمد في احتساب الرسوم وفواتير الكهرباء... قد يتمّ تثبيته لفترة أسبوع على سبيل المثال اذ أن عملية التغيير للسعر لن تحصل يومياً».


زيارة تقييمية

وبالعودة الى زيارة صندوق النقد، أكّد سعاده أن الصندوق لن يصدر بعد انتهاء جولات الوفد على السياسيين والاقتصاديين أي تقرير، وإنما قد يصدر بياناً عن زيارة البعثة الى لبنان. عادة كل الدول التي تطلب مساعدة من صندوق النقد، يزورها صندوق النقد الدولي بمهمة كاملة Full mission كما حصل في آذار 2023، ثم يقومون لاحقاً بزيارة تقييمية لمتابعة ماذا تحقّق، علماً أن الزيارة الى لبنان قصيرة وستكون لفترة 3 أو 4 أيام.

قوانين تتطلب تعديلات

من جهته أكّد نائب رئيس مجلس الوزراء السابق غسان حاصباني لـ «نداء الوطن»، أن «زيارة صندوق النقد الدولي تأتي لمتابعة النقاشات مع الأطراف المتعددة حول مقاربة التعافي والاستماع والاجابة على اسئلة المعنيين، وسيلتقي الوفد عدداً من النواب منهم من لجنة المال والموازنة» .وحول عدم إنجاز الحكومة أي من الإصلاحات وإصدار أي تشريعات جديدة، قال «تمّ خلال جلسة لجنة المال والموازنة الأسبوع الماضي التداول بالقوانين الواجب اقرارها والتي ما زالت الى حد ما غير مكتملة والاجراءات المطلوب اتخاذها بغالبيتها التي لم يبدأ العمل بها حتى الآن. فبالنسبة الى مشروع قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، فلا يزال قيد النقاش بين صندوق النقد ومصرف لبنان والحكومة».

حاجة لأرقام واضحة

و»النص الحالي لاقتراح قانون إعادة التوازن للنظام المالي، أي معالجة الفجوة المالية، ما زال يتطلب تعديلات ليستوفي متطلبات صندوق النقد. وفي الحالتين هناك حاجة لأرقام واضحة عن توزيع الحسابات على المصارف وقيمتها من اجل تحديد آليات تأمين السيولة ورؤوس المال لاعادة تكوينها وتغطيتها. وبالتالي فكل تلك الأمور والتي تشكّل مطلب صندوق النقد الدولي، لم يتم استكمالها من قبل الحكومة، بينما صندوق النقد مهتم بتمرير تشريعات إطارية ومن دون تفاصيل. ويخشى بعض النواب من ترك الأمور مفتوحة للحكومات لاتخاذ القرارات فيها، فيحدث خلل بحق المودعين في التطبيق».

الودائع ديون

وحول المواضيع الأخرى التي ستطرح بين وفد صندوق النقد والمسؤولين اللبنانيين، قال حاصباني إن «أولويات صندوق النقد، قد لا تتماشى مع متطلبات المرحلة من المواطنين اللبنانيين، وهذا موضع نقاش مع صندوق النقد للتوفيق بين مسؤولية الدولة تجاه المودعين إضافة الى المصارف، وليس وضع اولوية الدولة لتغطية الديون الخارجية مثل اليوروبوند وتجاهل ديونها الداخلية للمودعين عبر مصرف لبنان، والتي بيّن تقرير «الفاريز أند مارسال» أنها تتجاوز على الأقل 40 مليار دولار، صرفها مصرف لبنان لحساب الدولة بالعملات الأجنبية».

وعلى وقع درجة الخمول المرتفعة التي تصيب المسؤولين اللبنانيين والتي لم يشهد لها مثيل صندوق النقد الدولي في تاريخ مفاوضاته وتعامله مع دول عدة قدّم لها يد العون وفقدانه للأمل بالمنظومة الحاكمة، فإن قدوم صندوق النقد يأتي استناداً الى حاصباني في إطار واجبه، بانتظار أن يسلك لبنان مسار الإصلاحات قبل الإنتقال الى مرحلة الدعم الذي يحتاج لاحقاً الى شروط إضافية.