المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بو منصف
الجمعة 6 آذار 2026 07:21:24
لا تقاس تجارب الحروب والاحتلالات في تاريخ لبنان من الصراع مع إسرائيل بالاجتياحات الإسرائيلية المتعاقبة على مدار العقود فقط، إذ إن العمليات الحربية والإغارات وجولات العمليات المتعددة الجوانب أوسع من أن تحصر. ومع ذلك تقف اللحظة الحربية الراهنة التي يواجهها لبنان عند عودة الاجتياحات البرية، التي ترسي واقعاً احتلالياً جغرافياً وعسكرياً من غير المتوقع أن يكون قصير المدى، ولو أنه قد لا يرقى إلى مدد طويلة كما حصل في مرات سابقة.
بين سجل تاريخ تجارب الاجتياحات الإسرائيلية السابقة للبنان والاجتياح البادئ الآن بتدرج بطيء قد تكون إسرائيل اختارت "نموذج" الشريط العازل الأول، الذي أقامته بعد عملية الليطاني عام 1978 بتفاوت العمق الجغرافي ما بين عشرة كيلومترات إلى خمسة عشر كيلومتراً، علماً بأن كل عوامل المجهول تحيط بالعملية الجارية الآن بحدود احتلالها وبطبيعة ما بعد الاحتلال الواسع، الذي يفترض أن تكون إسرائيل قد أعدت أهدافها الاستراتيجية لها، على فرضية ثابتة هي الإجهاز تماماً على ترسانة وسلاح وهيكلية "حزب الله" الميدانية والعسكرية.
ليست ثمة عوامل ترجح تجارب الاجتياحات الأخرى من مثل الاجتياح الأكبر عام 1982، الذي دفع بالجيش الإسرائيلي إلى احتلال أول عاصمة عربية، بيروت. ولكن لا شيء سيمنع من توقع خليط متشابه بين اجتياح السبعينيات وحرب العام 2006، ثم الحرب ما قبل الأخيرة عام 2024، التي أودت ببطل إشعالها الزعيم التاريخي لـ"حزب الله"، الذي أشعل حرب إسناد غزة، والذي تستقي قيادة الحزب الآن تجربته في إشعالها حرب إسناد إيران.
لكن خلاصات الاجتياح البادئ الآن، أياً تكن الأهداف الإسرائيلية، المعلنة أو المستترة منه، ستختلف اختلافاً جذرياً عن نهايات الاجتياحات والحروب السابقة كلها. فإذا كان التوصيف السائد راهناً، خارجياً وداخلياً، يصف إقدام "حزب الله" على إشعال الحرب ببضعة صواريخ متهالكة من بقعة خارج جنوب الليطاني، بأنه خطأ استراتيجي قاتل، فإن الحقيقة الأهم في ارتكاب الخطأ تتمثل بمعرفة المخطئ ما يترتب على خطئه وعجزه عن ارتكابه لأنه "أعد" أصلاً لهذه المهمة.
الغريب في الأدبيات اللبنانية الإعلامية والسياسية السائدة في أوسع إدانة، بل محاكمة علنية لـ"حزب الله"، يتولاها الرأي العام اللبناني منذ نشوء الحزب، أن الجميع يتناسون ما كان يقال حقاً في السابق، وغداة كل مغامرة كارثية أقحم بها الحزب الشيعة اللبنانيين ولبنان عموماً، وهي توازي عمر نشوء الحزب على يد قابلة مشتركة بين النظام الإيراني ونظام حافظ الأسد البائد، من أن الحزب أعدّ للدفاع عن طهران أولاً وأخيراً، وليس لأي مهمة استراتيجية أخرى "جليلة"؛ اتخذت هذه السردية منتهى صدقيتها التاريخية الآن تماماً، عندما زج الحرس الثوري الإيراني بالحزب، الذي لطالما استهواه وهم المساواة مع اللاعبين الإقليميين الكبار ومشاطرتهم الجلوس وراء طاولات التفاوض واقتطاع النفوذ، فظن أن مغامرة أخيرة من مثل إسناد إيران ستمر أيضاً بمكاسب تتيح له إسقاط ما أجمع عليه اللبنانيون ضده من نزع سلاحه وحصر السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني.
ذهبت طهران إلى أبعد مديات استخدام الحزب واستنزافه، وذهب الحزب إلى أبعد وأخطر ما سيلازم مصيره القاتم الآتي مهما انتهت إليه الحرب. عادت إسرائيل باحتلال متجدد للجنوب اللبناني، ولن يكون ممكناً وسهلاً تبسيط التوقعات الاستباقية المتعجلة حيال المرحلة التي سيليها إنشاء شريط عازل جديد، علماً بأن المتعجّلين لا يرون نهاية لما سيحدثه الاحتلال المتجدد سوى "باتفاق سلام" كامل يتجاوز بطبعته الحديثة المرتقبة اتفاق 17 أيار/مايو 1983... فأيّ نهاية هذه لـ"المقاومة"؟