طريق الشام: تعاون وسلام

للمرة الأولى منذ عقود، تلوح أمام لبنان نافذة فعلية لإعادة ترتيب علاقاته مع جيرانه على أسس السيادة والندية والمصلحة اللبنانية. فهذا الوطن لم يكن يومًا دولةً معتدية، بل بلدًا تعرّض للاحتلال والوصاية على يد نظام الأسد الساقط، واستُخدمت أراضيه من قِبل المنظمات الفلسطينية، ثم من قِبل وريثها "حزب الله"، لفتح جبهة الجنوب تحت شعارات "تحرير القدس" و"إسناد غزة" و"الثأر لدماء خامنئي"، بما استجلب عليه الحروب الإسرائيلية، وجعل اللبنانيين يدفعون أثمانًا باهظة. والأهم أنّ التفاوض يجري باسم الشعب اللبناني، لا باسم محاور خارجية. وهذا ما تتوقف عنده أوساط دبلوماسية رفيعة، معتبرةً أنّ الدولة أمام محطة تاريخية ينبغي اقتناصها، خصوصًا أنّ المنطقة باتت أكثر استعدادًا لمسارات التفاوض والسلام، خلافًا لما كان عليه الواقع في حقبات سابقة.

في دمشق، واصل لبنان وسوريا مسار تصحيح العلاقات وإعادتها إلى طبيعتها، بعدما شكّلت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى العاصمة السورية مع لقائه الرئيس أحمد الشرع محطة أساسية في تحقيق تقدّم كبير على صعيد القضايا المشتركة، ولا سيما تنفيذ الاتفاقية الخاصة بنقل السجناء المحكومين من السجون اللبنانية إلى سوريا، ومتابعة ملف الموقوفين السوريين، وكشف مصير المفقودين والمخفيين قسرًا في البلدين.

في هذا السياق، توقفت مصادر مطلعة عند دلالات الزيارة، معتبرةً أنّ حفاوة الاستقبال تجاوزت الأطر البروتوكولية المعتادة، وعكست اهتمامًا واضحًا ومظلة عربية داعمة، ولا سيما من المملكة العربية السعودية، لمسار إرساء علاقات لبنانية – سورية متينة تُبنى عبر مؤسسات الدولتين الشرعية.

وأوضحت المصادر أنّ المباحثات تناولت ملفات حيوية، منها: إنشاء مجلس أعمال لبناني – سوري مشترك، تفعيل استجرار الكهرباء، وإبرام اتفاقية عبور غاز طبيعي. كما وعد الجانب السوري بالعمل على تمكين لبنان من الإفادة من مشاريع حيوية ومستدامة، أبرزها مشروع سكة الحديد الاستراتيجي الذي يربط السعودية بتركيا مرورًا بالأردن وسوريا، بما يفتح أمامه نافذة اقتصادية وإقليمية جديدة. وأكدت أنّ استقرار البلدين سياسيًا واقتصاديًا يشكّل ضرورة استراتيجية متبادلة، بخلاف حقبات الأسدَين التي اقتاتت على زعزعة أمن لبنان وتحويله إلى ورقة مقايضة.