طفرة "الكوكايين".. كيف تنتعش خزينة حزب الله من مزارع بوليفيا؟

حذرت مصادر إعلامية وسياسية مطلعة، بعد تسجيل زراعة نبات "الكوكا" في بوليفيا مستويات قياسية للعام الثالث على التوالي، في وقت أصبحت فيه البلاد مركزًا رئيسًا لإنتاج الكوكايين ومحطة عبور لشحنات قادمة من بيرو، من إمكانية استفادة ميليشيا "حزب الله" من هذه الطفرة الاستثنائية.  

وحسب تقرير ميداني حديث، صادر عن مركز "إنسايت كرايم insight crime" الاستقصائي والمتخصص في تعقب الجريمة المنظمة بأمريكا اللاتينية، فإنّ بوليفيا صارت حاليًّا مركزًا لوجستيًّا محوريًّا في تجارة زراعة نبات "الكوكا" وإنتاج مادة الكوكايين. 

فائض إجمالي
ووفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة "UNODC"، فإنّ المساحات المزروعة بـ"الكوكا" في بوليفيا بلغت نحو 36,400 هكتار، متجاوزة بنسبة 65.5% الحد الأقصى المسموح به قانونًا بموجب "قانون الكوكا العام" لسنة 2017، والذي يحدد السقف الاستهلاكي والطبي المباشر بـ22,000 هكتار فقط.

وحسب المنتظم الأمميّ، فقد أدى هذا الفائض الإجمالي في المحصول الجاف إلى رفع القدرة الإنتاجية المحتملة لنقاء الكوكايين إلى 275 طنًّا متريًّا، كما تتركز معظم هذه الزيادات غير المشروعة في منطقة "إقليم شوباري" و"كوتشابامبا"، والمعروفة محليًّا بـ"Cochabamba Tropics".

وتكشف المصادر الديوانية البوليفية أنّه في تلك المنطقة الحيوية لا يمرّ غير أقلّ من 10% من المحصول عبر المنافذ والممرات المعتمدة رسميًّا، فيما يُوجَّه الباقي مباشرة إلى مئات المعامل السرية لإنتاج عجينة مادة "الكوكا" وتكريرها.

مشهد معقد
وأكد باحثو مركز "إنسايت كرايم" أنّ هذه الطفرة الاستثنائية تأتي وسط تجاذبات سياسية وأمنية حادة داخل بوليفيا؛ حيث تواجه السلطات الحكومية صعوبات بالغة في فرض سيادتها على مناطق زراعة الكوكا الرئيسية مثل "شوباري"، التي تتمتع فيها نقابات المزارعين بنفوذ سياسي وميداني واسع. 

ونقل المركز عن مصادر ميدانية أنّ نزاعات وصدامات عنيفة نشبت مؤخرًا في المنطقة بين القوات الأمنية والفلاحين مما أدى إلى إغلاق الطرق من قبل المزارعين الذين سعوا إلى عرقلة حملات الإتلاف الإجباري للمحاصيل.

كما انعكس هذا الفائض الإنتاجي في تصاعد لافت لموجات العنف والاغتيالات المنظمة بالمدن والممرات الاستراتيجية، لا سيما في مقاطعات "سانتا كروز" و"بيني" و"كوتشابامبا"، وهي مناطق محورية لشبكات التهريب المحلية التي تعمل كوسطاء لصالح الكارتلات والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود.

نافذة استراتيجية
وفي سياق الحديث عن "الكارتلات الإجرامية" عابرة الحدود والأقطار، أشارت مصادر سياسية وأمنية مطلعة إلى أنّ الطفرة القياسية في زراعة الكوكا وإنتاج الكوكايين قد تُمثّل نافذة استراتيجية لشبكات نفوذ ميليشيا "حزب الله" اللبناني في أمريكا اللاتينية. 

فمنذ سنوات، تحول فائض الإنتاج البوليفي إلى أحد أركان الاقتصاد الموازي الذي يعتمد عليه "محور طهران" لتمويل عملياته وتدفقاته المالية في ظل العقوبات والضغوط الدولية. 

إذ يُعد حزب الله أحد أبرز الأطراف الخارجية المستفيدة من اتساع الفجوة بين الإنتاج المشروع للكوكا والتصنيع غير المشروع للكوكايين في بوليفيا.

وربطت المصادر الأمنية بين حزب الله وبين شبكات المغتربين وبعض الشركات الواجهة المتمركزة أساسًا في منطقة المثلث الحدودي، البرازيل والأرجنتين وباراغواي، وفي مقاطعة "سانتا كروز" البوليفية وذلك بغرض توفير خدمات غسل الأموال القائمة والمتدفقة من التجارة غير المشروعة. 

وبحسب المصادر تستخدم الشبكات المالية تُسهل عمليات نقل عوائد شحنات الكوكايين المتجهة إلى أوروبا والمشرق العربي عبر شبكات نظام "الحوالة" والعملات المشفرة، ليُعاد تحويل جزء منها إلى خزانة الميليشيا ولتمويل الأنشطة اللوجستية المرتبطة بها في لبنان. 

حيث لا تتعامل الميليشيا مع زراعة الكوكا بشكل مباشر ميدانياً، بل تعمل كـ"وسيط أمني ومالي" للشبكات الإجرامية، إذ ترتبط  بعلاقات تنسيقية مع كارتلات إقليمية كبرى مثل "القيادة الأولى للعاصمة" (PCC) في البرازيل، التي تعتمد على بوليفيا كمصدر رئيسي للكوكايين خام النقاء.

كما تُوظف هذه الكارتلات الممرات السرية ونقاط العبور شبه الخالية من الرقابة الحكومية في أقاليم "شوباري" و"بيني" لنقل الشحنات وتنسيق التمويل المزدوج.
مسار المواجهة
على الصعيد الدولي، تواجه الحكومة البوليفية ضغوطًا متزايدة بشأن مكافحة المخدرات، في ظل انتقادات الإدارة الأمريكية للسلطات في هذا المجال، إذ أبقت تصنيف بوليفيا ضمن قائمة الدول التي "فشلت بشكل واضح" في الوفاء بالتزاماتها لمكافحة المخدرات، رغم المساعي الأخيرة لإعادة استئناف التنسيق مع إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA) بعد سنوات من القطيعة.

ورداً على هذه التحديات، طرحت الحكومة البوليفية استراتيجية جديدة لمكافحة المخدرات للأعوام (2026-2030) تعتمد على 9 محاور رئيسة.

ومن بين تلك المحاور تعزيز المؤسسات الوطنية، وتشديد الرقابة على زراعة الكوكا، وتعميق الشراكات الأمنية والاستخباراتية مع الاتحاد الأوروبي والدول المجاورة مثل البرازيل وتشيلي لضبط الحدود والمنافذ الجوية والبحرية.