المصدر: النهار
الكاتب: فارس خشان
الثلاثاء 24 شباط 2026 07:42:29
لم يكن الشاعر طلال حيدر، في مواقفه الأخيرة، التي أطلقها بعد تضرّر منزله في بدنايل، غرب بعلبك، جرّاء الغارات الإسرائيلية التي استهدفت، وفق ما أعلنت تل أبيب، مواقع لوحدة الصواريخ في «حزب الله»، يعبّر عن ذاته فحسب، بل كان صوتاً صريحاً، محصّناً بتجربة عمرٍ طويل ومخزون إبداعي عميق، ينقل ما بات يُقال همساً داخل ما يُعرف بـ«البيئة الحاضنة» للحزب.
لم تكن كلماته انفعالاً عابراً لرجلٍ أصيب في بيته، بل أقرب إلى لحظة انكشاف: انكشاف الفجوة بين خطابٍ تعبويّ مستمر، وواقعٍ يوميّ يدفع فيه المدنيون الكلفة، بلا قرارٍ ولا خيار.
وحدهم المبدعون قادرون على تمزيق الستار الحديدي. فهم، عندما ينطقون، يستحيل أن يلجأوا إلى تعابير التبعية العمياء، ولو كانوا موالين، ويرفضون أن يبصموا، حتى لو كانوا موافقين.
وعلاقة هؤلاء بالأمكنة لا تشبه علاقة الجنود بالمتاريس. فالأمكنة، في عرف الإحساس الإنساني، تسكنها الذكريات، وتفرشها الأحاسيس، وتزنّرها الكرامات. المتاريس تُترك لمصلحة التكتيك العسكري، فيما المنازل تبقى ساكنة الوجدان، حتى لو استحالت رماداً.
لذلك، يستطيع المبدعون، عندما تتحرر ألسنتهم، تقديم المعايير السليمة، حيث تكون للتضحيات الجسام نتائج مرجوة. فالعقل الإنساني يرفض "المجانية".
لم يقل طلال حيدر ما لم يقله كثيرون قبله ممّن يلتقون معه في العداء لإسرائيل، لكنه قاله بوضوح نادر. إذ نقلت عنه «النهار» قوله:
"إذا كان هذا الثمن يعيد فلسطين، فمبروك. ولكن إذا ما بترجع ونحن عم نتدمر، يعيدوا شوية وجهات النظر لحتى يعرفوا القتال مش بس بالبارودة، القتال بالموسيقى وبالشعر وبالفكر وبالسياسة… كل ما نحنا كنا حضاريين منغلب أعداءنا، مين ما كانوا، كل ما نحن منصير همجيين منصير مثل أعدائنا”.
المعادلة بسيطة في عقل طلال حيدر: نُضحّي مقابل نتائج مضمونة. ومتى أصبحت التضحية بلا مقابل، تتوقف المعركة. تُستبدل الوسائل العقيمة بوسائل منتجة. فالمواجهة ليست حكراً على السلاح، والتخلّي عنه لا يعني وقفها، بل نقلها إلى ميدان آخر، حيث ينسحب المقاتل لمصلحة المبدع.
ماذا يعني هذا الكلام؟
إنه نقاش عقلاني في مواجهة حالة غير عقلانية. إنه محاولة لإعادة تصويب معنى العداء وأدواته، وإعادة طرح سؤال الجدوى: هل ما يُدفع من أثمان يقرّب من الهدف، أم يبتعد به؟
أمثال طلال حيدر كُثر، لكن أصواتهم مخنوقة، لأسباب عديدة. في المقابل، تتقدّم محاولات مستمرة لاستبدال هذا الصوت العقلاني بتضخيم غريزة الخوف، حيث يُمنح السلاح وظائف تتجاوز دوره، وتُستحدث له ساحات وأعداء، بما يُبقي منطق التعبئة قائماً.
هنا تحديداً تبرز مسؤولية جماعية لا يمكن اختزالها بطرف واحد. فالمقاربة يجب ألا تبقى محصورة في نقد «حزب الله» من الخارج، بل أن تترافق مع معالجة فعلية لهواجس البيئة التي ينتمي إليها.
اللبنانيون المنتمون إلى الطائفة الشيعية يحتاجون إلى طمأنة حقيقية لمرحلة ما بعد الدور العسكري للحزب: طمأنة تتصل بمستقبلهم داخل الدولة، وبطبيعة العلاقة اللبنانية–السورية، وبضمانات وقف الاستهدافات، وباستمرارية دورهم في النظام، وبمسار واضح لإعادة الإعمار.
فالمسألة لا تختصر بالسلاح، بل تتعداه إلى الشعور بالأمان السياسي والاجتماعي.
لذلك، فإن مخاطبة البيئة التي عبّر عنها طلال حيدر لا يمكن أن تبقى محصورة بشعار "نزع السلاح"، بل يجب أن تتطوّر إلى مشروع متكامل، واضح الضمانات، قادر على استعادة الثقة، ولا سيما في ظل تراجع مصداقية الدولة اللبنانية في الوعي العام، وفي الوعي الشيعي بشكل خاص.