المصدر: أساس ميديا
الكاتب: عبادة اللدن
الأربعاء 15 نيسان 2026 07:53:14
تعود إسرائيل إلى مشارف بنت جبيل بعد ستّة وعشرين عاماً من دخول “الحزب” إليها بثوب الانتصار على الخارج والداخل معاً. افترض “الحزب” أنّ إسرائيل “أوهن من بيت العنكبوت”، وأنّ الداخل أوهن من إسرائيل. يعود “الحزب” الآن إلى البيت الداخليّ الممزّق: لا دولة، ولا مشروع وطنيّاً، ولا مقوّمات داخليّة لمواجهة الاحتلال العائد بتوحّش.
بنى “الحزب” سرديّته على أنّه المنتصر الأوحد عام 2000 وعام 2006، وما من أحدٍ يستطيع كسر شوكته في الداخل أو في الإقليم. تصرّف مع الآخر في الداخل بمنطق “أنت مين؟”، كما لو أنّه ما في الداخل من أحد سواه. هو الأوحد في القوّة العسكريّة والأمنيّة، وهو الأوحد في السرديّة الوطنيّة الجديدة الحاكمة، وهو الوطنيّ الوحيد الذي يوزّع الشهادات على من يحالفه، ويدمغ مخالفيه بالعمالة أو التصهين أو الأمركة.
ربع قرن من حكم القوّة
ليس الوقت ملائماً للعتاب. ربع قرنٍ انقضى، بكلّ ما فيه من تجارب الانقسام وحكم القوّة. غداة التحرير، كان رفيق الحريري محاصَراً في السياسة والأمن، إلى أن انتفض في انتخابات عام 2000 واكتسح مقاعد بيروت، تاركاً فيها مقعداً لـ”الحزب” وودائع للنظام السوريّ. لكنّ “الحزب” لم يلتقط الإشارة. كان البلد على شفا الإفلاس حين ذهب رفيق الحريري إلى “باريس 1″ و”باريس 2” وحيداً، فيما كان “الحزب” يدير جبهة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا على نحوٍ يذكّره ويذكّر الخارج بأنّ القرار في حارة حريك ودمشق، لا في السراي.
أُخرج الحريري من الحكم عام 2004، وتمّ التمديد لرئيس الغلبة، إميل لحّود، ومع ذلك حاول الحريري مجدّداً، ففتح قناة بعيدة عن الأنظار بلقاءات مباشرة مع الأمين العامّ لـ”الحزب” السيّد حسن نصرالله. لم يترك تطميناً إلّا وقدّمه، في سبيل فتح صفحة جديدة في الداخل، والانعتاق من نظام الأسد الجاثم على قرار البلد واقتصاده. أتى الجواب مدوّياً في 14 شباط 2005. استشهد من بعده ركب من شهداء 14 آذار.
مع كلّ الأسى، حاولت “14 آذار” فتح كوّة في الجدار المغلق، ودفعت ثمن “التحالف الرباعيّ” في انتخابات 2005، فيما كان “الحزب” يرتّب الصفقة مع ميشال عون لشقّ الشارع المسيحيّ، والعودة إلى السلطة على ظهر الانقسام. بدأت جلسات الحوار الوطنيّ حول الاستراتيجية الدفاعيّة، فيما كان “الحزب” يحضّر وحده لحرب تمّوز 2006.
سرديّة قسّمت البلد
من سرديّة النصر، بنى “الحزب” خطاباً قسّم البلد عموديّاً، حتّى اليوم، بين وطنيّين وخونة. وما هي أسابيع حتّى سحب وزراءه من الحكومة، وحاصر السراي الحكوميّ باعتصامٍ مسلّح، حوّل به وسط بيروت إلى أطلال مدينة عامرة. إلى أن اجتاح بيروت في 7 أيّار 2008، وفرض في “اتّفاق الدوحة” العرف الدستوريّ الجديد، الثلث المعطّل المدجّج بقوّة السلاح، ثمّ ما لبث أن استخدمه بالفعل لإسقاط حكومة الوحدة الوطنيّة، فيما كان رئيسها سعد الحريري يقابل الرئيس الأميركيّ الأسبق باراك أوباما في البيت الأبيض، ثمّ نشر القمصان السود ليفرض حكومة اللون الواحد.
بعد ذلك، يقرّر “الحزب” وحده دخول الحرب في سوريا، ليفرض قهر النظام على الشعب الجار، ويقرّر وحده أن ينخرط في معارك قاسم سليماني في العراق واليمن، ويحمّل لبنان أوزار الاعتداء على الأمن القوميّ لدول الخليج.
في ذلك الدرب الطويل، كانت سرديّة “الحزب” تقول إنّ “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”، وإنّ إيران تبتلع العواصم العربيّة، الواحدة تلو الأخرى. كان في خطابه كثير من التقليل من الآخر في الداخل. مَن هؤلاء ليشاورهم “الحزب” الإلهيّ في شأن القتال في سوريا واليمن والعراق؟ مَن هؤلاء ليناقش معهم أمر سلاحه؟
يكفي أن يقول إنّ السلاح مقدّس، وإنّ من يدعو إلى نزعه “سننزع قلبه وعقله وروحه”. وقد نُزِعت بالفعل قلوب وعقول وأرواح كثيرة.
الإشكال العميق أنّ احتقار الآخر في الداخل كان طوال الوقت متلازماً مع شعورٍ بالتغلّب على إسرائيل. لطالما كان المتحدّثون بلسان “الحزب” يقولونها بملء الفم: “إذا كانت إسرائيل لم تقدر علينا، فمن أنتم لتواجهونا؟”، وكان ذلك مغلاقاً لأيّ حوارٍ داخليّ في القضايا الوطنيّة الأساسيّة: وحدة السلاح وبناء الدولة والانغماس في المحاور الخارجيّة.
يستفيق “الحزب” متأخّراً على فيديوات قديمة لرفيق الحريري وهو يتنقّل بين العواصم لانتزاع وقف إطلاق النار. ليس الوقت ملائماً للسؤال: ماذا فعلتم بفتاكم؟
أشلاء وطن!
اللحظة الآن صعبة. يعود “الحزب” من الرحلة إلى ملعب بنت جبيل ليجد أنّ بيت العنكبوت الحقيقيّ هو ذلك الذي خلّفه وراءه في الداخل. طائفةٌ من الناس تبكي السيّد نصرالله، وطائفةٌ تحمّله دم رفيق الحريري، وطائفة ترى فيه رمزاً للارتهان للمحاور، وجميعهم يرون حقيقة واحدة لا أحد ينكرها: هذه أشلاء وطن، مدمَّر في الضاحية والبقاع والجنوب، ومفلسٌ في قطاعه المصرفيّ، ومعزولٌ عن محيطه العربيّ، ومصابٌ في سياحته ودوره الثقافيّ.
هل من “بيت عنكبوتٍ” أوهن من ذلك!
ليس الوقت للعتاب وتقاذف المسؤوليّة. الكلّ في نكبة. لا فرق بين دمِ ذلك الشابّ الذي تلاحقه المسيّرة ودم شابٍّ في جونيه أو في طرابلس. ليس الوقت ملائماً لمحمود قماطي للتهديد بإعدام الوزراء أو جرف الحكومة. فليعد “الحزب”، وسيجد أنّ للجنوب حضناً لم يشِب بعد 26 عاماً.