عامٌ على العهد: جوزاف عون يرسّخ معادلة الدولة في زمن العواصف

يُطفئ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في العاشر من كانون الثاني، شمعته الثانية والستين، متزامنةً مع الذكرى السنوية الأولى لتولّيه رئاسة الجمهورية، في لحظة سياسية بالغة الدقة، ومرحلة وُصفت منذ بدايتها بالاستثنائية، نظرًا لحجم التحدّيات الداخلية وتعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي. عامٌ كاملٌ مضى، كافٍ لتظهير ملامح نهجٍ مختلف، رغم حملات التشكيك والرهانات المبكرة على فشل العهد في إدارة مرحلة مثقلة بالأزمات.

بعيدًا من السجالات، بدأت الوقائع تتقدّم على الانطباعات. فخلال الجلسة الأولى لمجلس الوزراء في العام الجديد، المنعقدة في قصر بعبدا، أُعلن رسميًا انتهاء المرحلة الأولى من خطة الجيش اللبناني، في خطوة ذات دلالات سيادية وأمنية عميقة. الرئيس عون، الذي أثنى على أداء الحكومة والسرعة القياسية في الإنجاز، حرص على تثبيت معادلة واضحة: لبنان ليس منصةً لأيّ عمل عسكريّ ضد سوريا، في تأكيد صريح على سياسة النأي بالنفس الواقعي، وحماية الاستقرار الداخلي، وصون العلاقات العربية.

هذا الموقف لم يكن معزولًا عن سياقٍ أوسع، تُرجم سياسيًا ودبلوماسيًا من خلال الزيارة اللافتة لرئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى بيروت. زيارة حملت رسائل دعم مباشرة للعهد، وأعادت وضع لبنان على خارطة الاهتمام الأوروبي كشريك قابل للاستقرار والإصلاح، لا كعبءٍ أمني أو إنساني.

وخلال اللقاءات الرسميّة، شدّد الرئيس عون على ضرورة التزام إسرائيل باتفاق وقف الأعمال العدائية، والانسحاب من المناطق التي لا تزال تحتلّها، بما يسمح للجيش اللبناني باستكمال انتشاره حتى الحدود الدولية، وفق القرار 1701. كما رحّب بتوجّه عدد من الدول الأوروبية للإبقاء على قواتها العاملة ضمن "اليونيفيل"، في مؤشر إلى تجديد الثقة بالدور اللبناني الرسمي وبقدرة الدولة على إدارة الملف الحدودي.

ملف النازحين السوريين حضر بقوّة على طاولة البحث. فقد أكد رئيس الجمهورية أن عودتهم باتت ضرورة وطنية ووجودية، داعيًا إلى تنسيق مباشر بين الحكومة السورية والدول الأوروبية المعنية، ومحذرًا بوضوح من أن أيّ اهتزاز إضافي في لبنان ستكون له ارتدادات مباشرة على أوروبا، سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا.

في المقابل، لم يُخفِ رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا تقييمه الإيجابي للعهد، معتبرًا أن انتخاب الرئيس جوزاف عون شكّل نقطة تحوّل في استعادة الاستقرار وتفعيل المؤسّسات الدستورية، واصفًا إعلان الجيش انتهاء المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بـ "الخبر السار"، ومؤكدًا استعداد الاتحاد الأوروبي لتعزيز شراكته مع لبنان.

أمّا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فذهبت أبعد، مرحّبةً بالخطوات الإصلاحية التي باشرت بها الحكومة، ولا سيّما في ما يتعلّق بإصلاح النظام المصرفي، ومجدّدة التزام الاتحاد الأوروبي بالدعم المالي للبنان، بما فيه حزمة المساعدات التي تصل إلى مليار يورو. كما وجّهت دعوة رسمية للرئيس عون للمشاركة في اجتماع "ميثاق المتوسط" في قبرص نهاية نيسان المقبل، في إشارة سياسية إلى إعادة إدماج لبنان ضمن الأطر الإقليمية المتوسطية.

وهكذا، ومع طيّ السنة الأولى من العهد، تتقدّم معالم مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاستقرار، إعادة الاعتبار للدولة، واستعادة القرار السيادي ضمن توازن دقيق في إقليم مضطرب. بين ما تحقق وما ينتظر الاستكمال، يبدو الرهان اليوم على قدرة هذا العهد على تحويل الإنجازات المتفرقة إلى مسارٍ ثابت، يُعيد للبنان موقعه الطبيعي، ويفتح الباب أمام سنوات أقلّ اضطرابًا، وأكثر قابلية للنهوض.