المصدر: المدن
الكاتب: لوسي بارسخيان
الثلاثاء 19 أيار 2026 02:24:24
"وسط أخبار الحرب والموت والدمار التي تغزو يوميًا صفحات اللبنانيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، اخترق تلاميذ الصفوف النهائية في المدارس الخاصة تحديدًا، المشهد، من خلال "صيحة" تكشف عن عمق الهوة الاجتماعية بين اللبنانيين، وخصوصًا من ناحية اهتمامات الشباب وخلفياتهم.
هي صيحة الـpromposal التي تجمع بين كلمتي الـ promاختصاراً لكلمة promenade، وتُستخدم في الثقافة الأميركية للدلالة على سهرة التخرّج المدرسية، وproposal والتي تلتصق تحديدًا بعرض الزواج أو الارتباط بين شاب وفتاة.
ولكن الظاهرة المستوردة من الثقافة الأميركية ببساطتها التي تتجسد في أفلام هوليوود، تحولّت بنسختها اللبنانية مساحة لـ"الفشخرة" على الطريقة اللبنانية، مع أنها نمت تحديدًا في زمن كفاح الأهل لتأمين أساسيات الحياة والتعليم.
لم يعد الأمر مقتصرًا على طلب بريء يتوجه به الشاب إلى صديقته لترافقه إلى حفل التخرج. بل تحوّل إلى "عرض" متكامل يشارك فيه الأصدقاء والأهل، ويُقاس نجاحه بعدد المشاهدات والتفاعل على "تيك توك" و"إنستغرام". وهذا ما حوّل الظاهرة إلى "مبارزة" علنية على من يسرق الأضواء.
والأبرز، أن هذا التنافس لم يعد محصورًا بالمعنيين مباشرة بالمناسبة، أي التلاميذ، وإنما استدرج إليه أيضاً بعض الأهل، حاملي "المحفظة" التي سمحت لبعض "الأولاد" بأن يتهوروا في أفكارهم، أو تهور ذويهم معهم في السعي للقب "أفخم Promposal" أو الأجمل في الموسم.
وهكذا صارت الـ Promposalحديث موسم التخرّج، وأين ستُقام على يخت أم على الشاطئ أم في حديقة المنزل، أو في فندق فخم؟ والقاسم المشترك بينها البالونات والورود والألعاب النارية الضرورية لمشهد متكامل، ووفقًا لسيناريو يفتقد للعفوية.
والمفارقة أن المشهد كله قد يكون زائفًا. فخلف تلك الوعود الموثقة بالكاميرا، لا تربط الطرفين بمعظم الأحيان أي علاقة عاطفية، بل هو "اتفاق مصلحة" لتأمين مرافق يفي بشروط إدارة المدرسة، ويضمن صورة مثالية لـ Reels الانستغرام.
مع اتّساع هذه الظاهرة ولد سوق متكامل، فانضمت الـ PROMPOSALإلى نشاطات منظمي الاحتفالات ووكالاتها من خارج موسم الأعراس والعمادات والمناولة الأولى، والخطوبة، وطلب الإقتران وغيرها، التي جنحت نحو البذخ أيضًا. بالإضافة إلى الحركة التي ولّدتها في محلات بيع الورد، واستوديوهات التصوير، والمطاعم وخدمات الـCATERING، حيث تفاوتت التكاليف لتبدأ من مئات الدولارات وتصل إلى الآلاف الدولارات. وميزانية بعضها أقرب إلى عرض زواج مع فساتين بيضاء، تنسيق ورد فاخر، وتصوير احترافي و DJ للموسيقى.
تنافس بين أهالي الطلاب
هذا الأمر أدى إلى جدل واسع حول دوافع المغالاة السائدة في مناسبة لا أهمية فعلية لها، ولن تترك أثرًا حقيقيًا في مستقبل هؤلاء الشباب.
وتسبب الأمر بشرخ ليس فقط بين عقليتي الأهل وأولادهم، وإنما أيضًا في وسط الشباب المعني بالمناسبة.
فرفض شربل مثلا أن ينجر وراء هذا "الترند"، وفضل أن يطلب من صديقته أن ترافقه إلى سهرة التخرج بهدوء، وإن لم يكن متأكدًا أنها راضية تمامًا على قراره.
فمع أنه ليس معارضًا للفكرة بالمبدأ، كما يقول، لأنه يوافق أصدقاءه أنها مناسبة لاستمرار اللقاءات وربما لمرات قليلة قبل أن ينطلق كل منهم في حياة مختلفة، إلا أنه لا يخفي انزعاجه من المغالاة التي جنح إليها البعض وتحت تأثير أهلهم أحيانًا، ما أفقد المناسبة عفويتها، فلم تعد مجرّد تسلية بين الشباب، بل تحوّلت إلى منافسة بين الأهالي أنفسهم.
على رغم انصياع الأهل لرغبات أولادهم في المقابل، يتفق معظمهم على كونها موضة فارغة أو عبئًا مضافًا. ولكنهم يجدون أنفسهم مساقين بحماسة فئة أخرى من الأهل تبدو متورطة في سباق اجتماعي تغذّيه ثقافة الصورة.
تكاد ريما (اسم مستعار) وهي أم لثلاثة أولاد أكبرهم سيتخرج هذا العام، أن تنفجر غيظًا وهي تتحدث عن الدعوات اليومية لابنها إلى سهرة الـpromposal. بل أصبح الجدول كما تقول مكتظًا بحفلتين حاليًا، بينما هذا الوقت يجب أن يستثمر في التحضير لإمتحانات الشهادة الرسمية.
وتتوقف السيدة تحديدًا عند دعوة وجهت لابنها وأصدقائه إلى يخت على الشاطئ. وتعرب عن ذهولها لجرأة بعض الأهل في تحمل مسؤولية أولاد، لم يبلغوا من النضج ما يكفي ليتحملوا مسؤولية أنفسهم. ولذلك تجدها في حيرة حول ما يجب أن تفعله. فإذا منعت ابنها من الذهاب، سيتحول غريبًا بين أصدقائه، وإذا سمحت له بذلك، ستشارك وزوجها بما يخالف قواعد تربية أولادهما.
لدى الدكتورة ريما بجاني، المتخصصة في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي، تفسير لهذه النزعة للمبالغة لدى الأهل أنفسهم. إذ ترى "أن الأهل عمومًا يميلون إلى إسقاط رغباتهم وطموحاتهم على أولادهم، ويعيش بعضهم التجارب من خلالهم". وهذا ما يزيد الضغط على عائلات أخرى ويجعل مسألة وضع الحدود أكثر تعقيدًا. وانطلاقًا من هنا، تؤكد بجاني أن قول الأهل "لا" لأولادهم لا يعكس قسوة أو قمعًا في التربية، بل قد يكون فعل حماية ضروريًا.
التمسك بمظاهر الفرح
وتفسر بجاني خلفيات هذه الظاهرة التي تعتبر أنه لا يمكن فصلها عن النزعة اللبنانية الدائمة إلى التمسك بمظاهر الفرح والتعبير عن حب الحياة، حتى في أكثر الظروف قسوة.
غير أنه إذا كان البعض يرى في "المغالاة" بتظهير حب الحياة نوعًا من الصمود ومحاولة التكيّف مع الأزمات، تعتبر بجاني في المقابل أنها أقرب إلى "آلية دفاع نفسي تدفع الأفراد إلى البحث عن التعويض في مساحات بديلة" وهذا ما ترى أنه يتحول أمرًا مقلقًا مع الوقت.
وتلفت بجاني إلى الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في تبديل طبيعة المناسبات، بعدما سحبت منها عفويتها وحوّلتها إلى مساحة للمنافسة والاستعراض. فبدل أن ترتبط المناسبة بمعناها الاجتماعي البسيط، باتت محكومة بمنطق الصورة وما تفرضه الميديا من معايير متبدلة. وهكذا صار بعض المراهقين يبحثون عن شعور بالتفوّق عبر عدد المشاهدات و"اللايكات" والمشاركات، رغم أن هذا "التفوّق" يبقى هشًا ووهميًا، لأنه قائم على نظرة جمهور لا يعنيه الحدث فعليًا.
الخوف من الرفض
وفيما يتعلق بصيحة الـ promposalتحديدًا، تتحدث بجاني عن تراجع القيمة المعنوية الحقيقية لمرحلة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة، لمصلحة مشهدية قابلة للنشر والتداول. وهذا ما تعتبره خطرًا على فئة عمرية لا تزال في نهاية مرحلة المراهقة، حيث لم تتكوّن بالكامل بعد القدرات النفسية والعاطفية الكفيلة بحماية الذات من المقارنات والضغوط العلنية. فتكون الثقة بالذات عرضة للاهتزاز لأسباب عديدة ومن بينها الرفض الذي يرافق هذه الظاهرة. شارحة أن "الرفض" مهما بدا بسيطًا يترك أثرًا أعمق حين يحدث على مرأى من الجميع، وفي فضاء مفتوح على التعليقات والمقارنات.
إذاً، خلف شاشات الهواتف التي تتنافس لتحويل الـPROMPOSAL إلى عرض استعراضي، تبرز الضغوط الاجتماعية والنفسية التي تتسبب بها هذه الصيحة في لبنان، بعدما تحولت من ذكرى مدرسية عابرة إلى مصدر إحراج وشعور بالنقص.
وهذا ربما ما يتطلب شجاعة لإعادة الأمور إلى حجمها الطبيعي. فأضواء الحفلات تخفت سريعًا، والـ reelsالذي يملأ الشاشات اليوم سيبتلعه "ترند" آخر غدًا. فيما التحدي الحقيقي أمام الشباب الذين يتحضرون لأولى خطواتهم نحو الحياة الجامعية والعملية، لا يقاس بعدد المشاهدات، بل بما يمتلكه الفرد من طاقة وقدرة فعلية على بناء المستقبل.