المصدر: إرم نيوز

The official website of the Kataeb Party leader
الخميس 20 آب 2026 09:11:24
تراهن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن تشديد الخناق الاقتصادي على إيران سيدفع طهران في نهاية المطاف إلى تقديم التنازلات المطلوبة لإنهاء الحرب، لكن مسؤولين أمريكيين سابقين وخبراء في الشأن الإيراني يشككون في قدرة العقوبات والحصار على إحداث "نقطة انهيار" تجبر النظام الإيراني على تغيير حساباته.
وبينما تعد إدارة ترامب بعزلة اقتصادية غير مسبوقة لإيران، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً، إذ تواجه واشنطن نفسها تداعيات الحرب من خلال ارتفاع أسعار النفط والوقود وتزايد الضغوط على الاقتصاد والأسواق المالية، في وقت تنظر فيه القيادة الإيرانية إلى الصراع باعتباره معركة وجودية قد تبرر تحمل خسائر اقتصادية هائلة، بحسب "بولتيكو".
واشنطن تراهن على الضغط الاقتصادي
قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الإدارة تسعى إلى فرض مستوى من العزلة الاقتصادية على إيران "لم يسبق له مثيل"، في إطار حملة تستهدف أهم مصادر دخل طهران، وعلى رأسها صادرات النفط، إلى جانب شبكاتها المالية والأسطول المستخدم في نقل الخام الإيراني.
لكن جيمس جيفري، السفير الأميركي السابق الذي خدم في الشرق الأوسط خلال ثلاث إدارات، بينها إدارة ترامب الأولى، يرى أن فعالية الحملة قد تكون محدودة بعد عقود من العقوبات.
وقال إن واشنطن قد تستمر في تعديل العقوبات وسد الثغرات وتوسيع نطاقها، لكن من الصعب توقع نتيجة حاسمة بعد نحو عقدين من العقوبات الأمريكية وخبرة إيران الطويلة في الالتفاف عليها.
وخلال الأشهر الستة الماضية، حاولت الإدارة الأمريكية تضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني من عدة جبهات، شملت منع طهران عملياً من بيع جزء كبير من نفطها، واستهداف المشترين الأجانب، وملاحقة ما يعرف بالأسطول الخفي الذي ينقل النفط الإيراني، إضافة إلى محاولة قطع قنوات التحويلات المالية التي تعتمد عليها طهران.
إيران تتحمل كلفة اقتصادية متزايدة
أدى الضغط الأميركي إلى تعميق أزمة اقتصادية كانت موجودة أصلاً قبل الحرب. وتشير تقديرات حديثة إلى ارتفاع التضخم السنوي في إيران إلى نحو 88%، بالتزامن مع نقص الوقود وظهور طوابير طويلة أمام محطات التعبئة، فيما ارتفعت أسعار العديد من المواد الغذائية بأكثر من الضعف.
لكن هذه الأوضاع لم تدفع القيادة الإيرانية حتى الآن إلى تقديم التنازلات التي تطالب بها واشنطن.
وقال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، والذي شارك سابقاً في جهود التفاوض التي قادت إلى الاتفاق النووي لعام 2015، إن الضغوط الاقتصادية على إيران لا يمكن إنكارها، لكن السؤال الأساسي يتعلق بوجود نقطة انهيار للنظام.
ويرى واعظ أن النظام الذي يكافح من أجل البقاء، والذي أثبت تاريخياً استعداده لتحميل السكان جانباً كبيراً من كلفة الأزمات الاقتصادية، قد لا يصل بسهولة إلى مرحلة يضطر فيها إلى الاستسلام أمام الضغوط.
ويمنح هذا الواقع طهران حافزاً لمواصلة تحمل الخسائر، خصوصاً أن القيادة الإيرانية تنظر إلى الحرب باعتبارها تهديداً مباشراً لبقاء النظام، وليس مجرد نزاع يمكن إنهاؤه مقابل تنازلات اقتصادية.
خيارات أميركية إضافية تحت الدراسة
لم تكشف إدارة ترامب حتى الآن عن كامل الإجراءات التي يمكن أن تستخدمها لتشديد الضغط، لكن الخيارات المطروحة تشمل استهداف بنوك صينية كبيرة تسهل تجارة النفط الإيراني، وتوسيع العقوبات الثانوية لتشمل دولاً وشركات تتعامل مع طهران، فضلاً عن الانتقال من تجميد بعض الأصول الإيرانية إلى مصادرتها في حال توافرت الأسس القانونية لذلك.
وترى واشنطن أن الجمع بين العقوبات والحصار البحري يمكن أن يضغط على إيران بصورة أكبر، خصوصاً مع استمرار تراجع صادرات النفط وتضييق قدرة البلاد على الوصول إلى العملات الأجنبية.
لكن القادة الإيرانيين يقللون علناً من تأثير هذه الإجراءات. وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن واشنطن تعتقد خطأً أن زيادة الضغط ستجبر إيران على تقديم تنازلات لم تكن جزءاً من الاتفاقات السابقة.
وفي المقابل، يصر مسؤولون في البيت الأبيض على أن ميزان الضغط يميل لمصلحة الولايات المتحدة، معتبرين أن العقوبات والحصار تسببا في إضعاف الاقتصاد الإيراني بدرجة كبيرة، وأن أمام ترامب خيارات إضافية يمكن استخدامها خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.
الحرب ترتد على الاقتصاد الأميركي
المشكلة بالنسبة إلى إدارة ترامب أن استراتيجية الضغط لا تفرض كلفة على إيران وحدها.
فالحرب المستمرة منذ ستة أشهر ساهمت في إبقاء أسعار الطاقة العالمية مرتفعة، بعدما تضررت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط والغاز في العالم. وارتفع سعر النفط الخام مجدداً إلى نحو 90 دولاراً للبرميل، بينما انعكست تداعيات أزمة الطاقة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.
كما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركيةلأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى لها منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية، وسط مخاوف من استمرار التضخم وتزايد احتياجات الحكومة إلى الاقتراض.
وترى جوليا كورونادو، مؤسسة شركة "MacroPolicy Perspectives"، أن الولايات المتحدة تجد نفسها في بيئة تضطر فيها إلى إنفاق المزيد لتمويل المزيد، بينما خلقت الحرب عالماً أكثر خطورة مليئاً بصدمات العرض واضطرابات الطاقة.
وتشكل هذه التطورات مشكلة سياسية بالنسبة إلى ترامب، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
فقد أظهر استطلاع حديث أجرته "رويترز/إبسوس" أن نسبة تأييد الرئيس تراجعت إلى 33%، وهو أدنى مستوى خلال ولايته الحالية، فيما يعتقد نحو 80% من الأميركيين أن التدخل الأميركي في إيران سيستمر لفترة طويلة.
فانس يحذر من كلفة استمرار الحرب
وتكشف تصريحات نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس عن تنامي الاهتمام داخل البيت الأبيض بتداعيات الحرب على المستهلكين الأمريكيين.
وقال فانس إن الهدف الأول للإدارة في الحرب مع إيران هو "الحفاظ على أسعار النفط والغاز منخفضة للأميركيين في جميع أنحاء البلاد"، فيما يبقى منع إيران من امتلاك سلاح نووي هدفاً رئيسياً آخر.
ويعكس هذا الترتيب تحولاً مهماً في الخطاب الأميركي، بعدما بدأت الحرب بأهداف أوسع بكثير، قبل أن تتقلص تدريجياً إلى احتواء البرنامج النووي الإيراني وإضعاف القدرات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز.
ورغم ذلك، يواصل ترامب التأكيد على استعداده للصبر، مشيراً إلى أن الحصار البحري لا يزال قائماً وأن واشنطن لا تجري حالياً محادثات مع طهران.
ويرى بعض المسؤولين السابقين في إدارة ترامب أن استمرار الضغط قد يكون الخيار الأقل سوءاً مقارنة بالبدائل العسكرية، خصوصاً إرسال قوات برية إلى إيران.
وقال فريد فليتز، الرئيس السابق لموظفي مجلس الأمن القومي في إدارة ترامب، إن الولايات المتحدة قد تتعامل مع إيران بطريقة مختلفة خلال 30 إلى 60 يوماً، لكنه حذر من أن شن هجوم عسكري واسع أو محاولة السيطرة على جزيرة خرج قد يؤديان إلى مستنقع طويل الأمد لا يريده الأمريكيون.
وبذلك، تواجه إدارة ترامب معضلة متزايدة: فهي تريد إجبار إيران على تقديم تنازلات عبر الضغط الاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى احتواء تداعيات الحرب على أسعار الطاقة والاقتصاد الأمريكي.
وبينما تراهن واشنطن على أن الألم الاقتصادي سيجبر طهران على التراجع، تشير تجربة العقوبات الممتدة لعقود إلى أن إيران قد تكون مستعدة لتحمل كلفة أكبر بكثير مما تتوقعه الإدارة الأميركية.