المصدر: Agencies
الخميس 10 أيلول 2026 12:24:25
في تطور ميداني حاسم، أفادت ثلاثة مصادر حكومية يمنية لوكالة "رويترز" أن الحوثيين سيطروا رسمياً على مدينة المخا الساحلية الواقعة على بعد 50 ميلاً شمال جزيرة بريم، لتكتمل بذلك خطة الميليشيا في تأمين موقع متقدم على الساحل وتضييق الخناق المباشر على باب المندب.
ويأتي سقوط المخا ليؤكد التحركات الميدانية التي كشفت عنها سابقاً شبكة "سي أن أن"، والتي حذرت من هجوم واسع النطاق يستهدف إحكام السيطرة على جزيرة بريم، ما يمنح الحوثيين القدرة على قطع طريق الملاحة وتدفق الطاقة عبر البحر الأحمر.
والآن، تقف جزيرة بريم اليمنية في قلب أزمة جيوسياسية متصاعدة، حيث يَحول موقعها الجغرافي الإستراتيجي وسط مضيق باب المندب دون القبول بكونها مجرد نقطة جغرافية معزولة.
واكتسبت الجزيرة أهمية استثنائية مضاعفة عقب المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران والتي أدّت لشل الحركة التنافسية في مضيق هرمز؛ ما جعل معبر باب المندب الشريان الرئيسي البديل لضمان تدفق الطاقة العالمية وتفادي قفزات أسعار النفط.
وفي ظل هذه المستجدات، يؤكد القادة الميدانيون المرابطون في المواقع المتقدمة لجزيرة بريم والمشرفة على إريتريا وجيبوتي، أن مهمة الدفاع عن الجزيرة باتت اليوم ترتبط برهانات دولية أشد خطورة من أي وقت مضى.
مواجهة جيوسياسية مباشرة
شهد النزاع اليمني تحولاً جذرياً من أزمة محلية إلى جبهة مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران. وفي ظل سيطرة الحوثيين على العاصمة وقطاعات واسعة من الشمال الغربي والشريط الساحلي، يمثل مضيق باب المندب ورقة ضغط سياسية واقتصادية تهدف إلى رفع أسعار النفط والتأثير المباشر في المشهد السياسي الأمريكي وانتخابات التجديد النصفي.
وصرّح طارق صالح، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، في مقابلة خاصة مع الشبكة من موقعه الميداني على الساحل: "أكدنا للمجتمع الدولي مراراً أن ما يجري هو مشروع إيراني متكامل، لكن التحذيرات لم تُؤخذ على مَحمل الجد في حينها، ليتحوّل النزاع اليوم إلى صراع جيوسياسي دولي".
وحذَّر صالح من غياب الدعم الميداني الأمريكي الحقيقي واقتصاره على التصريحات، مشدداً على أن "سقوط جزيرة بريم وباب المندب بيد الحوثيين سيجبر المجتمع الدولي لاحقاً على التدخل عبر أساطيل وقوات ضخمة عالية الكلفة لإزاحتهم".
ورداً على الضغوط والتطورات الإقليمية، أعلن الحوثيون فرض حصار بحري يستهدف حركة الملاحة البحرية وخطوط الإمداد عبر باب المندب، مستخدمين الصواريخ والمسيرات في استهداف المنشآت الحيوية والملاحة البحرية.
من جهته، وصف محمد الباشا، المسؤول الإعلامي السابق للحكومة اليمنية ومحلل المخاطر المقيم في واشنطن، طبيعة العلاقة بين طهران والحوثيين قائلاً: "إنها ليست علاقة تبعية مطلقة، لكنهما في خندق واحد".
ويسلط فارع المسلمي، الباحث في معهد "شاتام هاوس"، الضوء على الدوافع الذاتية للميليشيا، موضحاً: "كان الحوثيون بحاجة إلى حرب لتشتيت الانتباه عن الأزمات الداخلية، وإثبات قدرتهم على إجبار السعودية على التفاوض معهم مجدداً".
وأضاف المسلمي أن الهجمات الحوثية وتراجع نفوذ حلفاء آخرين لإيران في المنطقة عزَّزا موقع الميليشيا داخل ما يسمى "محور المقاومة"، وهو ما تسعى للاستفادة منه حالياً.
استهداف القطاعات الاقتصادية
في سياق هذه المخاطر، تراجعت التدفقات النفطية عبر باب المندب بنسبة 50% وفق بيانات "Kpler"؛ ما يهدّد بشل حركة الملاحة البحرية كلياً. ولم تقتصر الأضرار على القطاع التجاري، بل امتدت لتشمل قطاع الصيد التقليدي عقب هجمات مسيرة استهدفت صيادين في الجزر القريبة وسجلت إصابات ووفيات بين المدنيين.
أما في ميناء المخاء الإستراتيجي، فقد تسبب القصف الحوثي الأخير بأكثر من 25 صاروخاً أثناء تفريغ سفن تجارية، في مقتل 16 شخصاً وإصابة 22 آخرين، فضلاً عن إغراق 6 سفن تجارية وتدمير آلاف الشحنات والمعدات الاقتصادية، في محاولة واضحة لضرب التعافي الاقتصادي وشل الحركة التجارية للموانئ المحررة.
بحسب التقرير، يمتلك الحوثيون ترسانة تسليحية تشمل صواريخ مضادة للسفن، وصواريخ فرط صوتية، وأنظمة دفاع جوي قادرة على تهديد الطيران المسير والمأهول على ارتفاعات عالية.
كلفة المواجهة المستقبلية
وتشهد خطوط التماس تكثيفاً لاستخدام الطائرات المسيرة الحديثة (FPV) من قبل القوات الحكومية لدعم التحصينات القتالية. وفي مستودع عسكري سرّي للأسلحة المصادرة، عرض المسؤولون العسكريون للشبكة الأمريكية شحنات أسلحة إيرانية نوعية تم ضبطها قبل وصولها للحوثيين.
وشملت المضبوطات صواريخ طويلة المدى بطول 18 قدماً، ورادارات متطورة، ومحركات طائرات مسيرة، وذخائر تمّ تمويهها داخل معدات تجارية وشاحنات نقل. واعترف المهربون بنقل 11 شحنة مماثلة في الحجم بوزن إجمالي يصل إلى 750 طناً.
في السياق، حذَّر خبراء من أن سيطرة الحوثيين على جزيرة بريم ستلغي حاجتهم للصواريخ طويلة المدى، إذ سيعمدون فوراً إلى تلغيم المضيق تماماً كما حدث في هرمز، مؤكدين أن المواجهة الحالية تُخاض نيابة عن الأمن البحري الدولي، وأن التأخر في الحسم سيُّكبد التجارة العالمية والقوات الدولية ثمناً باهظاً في المستقبل.