عكار تغرق: فيضانات وانهيار جسور وخسائر مادية كبيرة

لم تُفاجئ العاصفة أحدًا في عكار، إنّما جاءت لتُثبت ما يعلمه الجميع: هشاشة بنى تحتية أشبه بالدمى، انهارت مع أول مواجهة مع الطبيعة، فطفت على الماء أو ذهبت هباء. وتحوّلت الأمطار الغزيرة والسيول الجارفة إلى كارثة هدّدت حياة السكان وقضت على جزء غير يسير من ممتلكاتهم ومزروعاتهم.

إغلاق معبر العريضة

في معبر العريضة الحدودي، أدّى ارتفاع منسوب المياه، نتيجة غزارة الأمطار، إلى تضرّر الجسر وانهياره، ما استدعى إغلاق المعبر بشكل كامل مؤقتًا بقرار من المديرية العامة للأمن العام حفاظًا على السلامة العامة. وجرى تحويل حركة العبور إلى معبرَي المصنع والقاع. وأفاد مصطفى المحمد، أحد ابناء المنطقة، أنّ الجسر أُنشئ كحلٍّ مؤقت أساسًا لتخفيف ضغط السير، إلا أنّه لم يُنفّذ وفق المعايير الهندسية المطلوبة. والسكان كانوا يتوقعون أن ينهار مع أول عاصفة.

المياه تغمر مراكز الجيش والأمن

 الحال لم تكن أفضل في منطقة العبودية، حيث فاض النهر الكبير عن مجراه، مخلّفًا أضرارًا جسيمة في المحاصيل الزراعية والممتلكات. وأكد رئيس بلدية العبودية محمد المصومعي لـ"المدن" إن مجرى النهر نفّذ أساسًا بشكل خاطئ. فهو يفيض عند كل عاصفة ماطرة، ما يؤدي إلى غمر القرى المحيطة بالمياه. وقد طال الفيضان اليوم مركز الأمن العام، ومركز الجمارك، ومركز الجيش، واضطُرّت العناصر إلى مغادرة هذه المراكز بعدما غمرتها المياه بالكامل.

وأدى الفيضان إلى محاصرة مياه النهر عائلة سورية مؤلفة من تسعة أفراد تقيم في المنطقة، وتمكن عناصر الدفاع المدني من إنقاذهم، من دون تسجيل أي إصابات بشرية. واقتصرت الأضرار على الخسائر المادية.
واعتبر رئيس البلدية المصومعي أن ما حصل ليس مفاجئًا، محملاً المسؤولية إلى المهندس الذي أشرف على إنشاء الجسر. ووفقه حذّرت البلدية سابقًا من أنّ هذا الجسر لا يستوعب كميات المياه التي تتدفّق خلال العواصف القويّة، لكن لم ينصت أحد لها. فأبناء المنطقة يعرفون طبيعة النهر أكثر من غيرهم. وما حصل اليوم يؤكد صحة التحذيرات التي أطلقناها. 

انهيار الرصيف البحري في العبدة

إلى ذلك أدت غزارة الأمطار والعاصفة القوية، التي ضربت المنطقة، إلى انهيار جزء من رصيف الطريق البحري في منطقة العبدة. وكذلك تصدّعت أساسات مبنى يعود لآل الجمل على الطريق نفسه، فتصاعد خوف وقلق الأهالي. وعبّر محمد الأسمر، أحد سكان المنطقة، عن إحباطه من هذا الواقع مستغرباً الإهمال واللامبالاة عند المسؤولين. وتساءل كيف تتجدد الكارثة كل عام ولا أحد يتخذ الإجراءات الاحترازية قبل وقوع المحظور. وقال: "تعبنا من هذا الوضع. فنحن نعيش الرعب عينه كلما يحلّ فصل الشتاء".

وتسببت الفيضانات أيضاً بخسائر مادية كبيرة في مناطق عكارية أخرى ولا سيما في السماقية، وببنين وسائر مناطق سهل عكار حيث أتلفت المزروعات وتحطّمت عشرات البيوت البلاستيكية وخسر المزارع المحاصيل الزراعية لسنةٍ كاملة. كما تسببت العاصفة باقتلاع أشجار مثمرة ولا سيما في المناطق الجرديّة.

في الاختبار الأول لفصل الشتاء غرقت عكار بالمياه وانهارت بعض البنى التحتية وتحولت الطرق العامة إلى أنهار والحقول إلى بحيرات. وكل تقاعس اليوم يعني مأساة في الغد. فهذه الأضرار لم تسببها الطبيعة وحدها، بل هي صنيعة أيدي البشر (الغائبين عن مشهد اليوم). فمن ضعف الرقابة وفساد المعايير إلى تأجيل القرارات أو إلغائها، تبقى الضحيّة دائماً شعبٌ علمته السلطة أن يتقن فنّ الصبر. لكن التعويل يبقى على أن تتحول مخلّفات هذه العاصفة إلى عاصفة في صناديق الاقتراع تزيح الكابوس عن شعب عايش الحرمان منذ نشأته.