المصدر: نداء الوطن
الكاتب: أمجد اسكندر
الاثنين 4 أيار 2026 07:00:31
كان الرئيس المصري أنور السادات يقول 99 في المئة من أوراق الحل في الشرق الأوسط بيد أميركا. هذا الاقتناع سمح بعودة كل الأراضي التي احتلتها إسرائيل للسيادة المصرية. كانت فيتنام الدولة الأشد عداوة في التاريخ الحديث للولايات المتحدة، وحرب العشرين سنة (1975-1955) خلفت نحو ثلاثة ملايين قتيل فيتنامي و58 ألف قتيل أميركي. اليوم هناك شراكة استراتيجية بين الدولتين، ويبلغ حجم التبادل التجاري بينهما ما يقارب 150 مليار دولار سنويًا، وتعتبر فيتنام من الدول الصاعدة اقتصاديًا في آسيا، وهي دخلت مؤخرًا صناعة الرقائق الإلكترونية، بجيش من نوع آخر إذ تعمل على تأهيل 15 ألف مصمم رقائق و35 ألف مهندس تصنيع. العلاقات مع "الشيطان الأصغر" إسرائيل أيضًا في أحسن حالاتها، إلى درجة أن مسؤولين كبارًا في هانوي يريدون أن تتمثل بلادهم بإسرائيل لناحية التقدم الصناعي. وللعلم الثلاثة ملايين قتلوا بسلاح أميركي واليوم تسعى فيتنام وراء صفقات أسلحة أميركية وإسرائيلية.
الرئيس جوزاف عون معادلته صحيحة وبسيطة "لا حل إلا بالتفاوض ولا وسيط إلا أميركا". هناك نظرية فيها اجتزاء كبير ومفادها أن أميركا باعتنا أو تخلت عنا مرات عدة. مما لا شك فيه أن أميركا ليست جمعية خيرية، ولكن هل، ومنذ نصف قرن، عقد لبنان الرسمي شراكة استراتيجية مع واشنطن وخذله الساكن في البيت الأبيض؟ دائمًا كنا "إجر بالبور وإجر بالفلاحة".
في محطتي "ثورة 58" و "اجتياح 82" نزل جنود أميركيون على الشاطئ اللبناني دعمًا للشرعية، ولكن انقسامات القرار اللبناني جعلت واشنطن تنكفئ إلى حد أن وزير الخارجية جورج شولتز وصف بيروت في بداية الثمانينات بـ "المصابة بالطاعون". دائمًا ما كان لواشنطن شريك خارجي في لبنان، من عبد الناصر إلى نظام آل الأسد ومن خلفه إيران، والفرصة اليوم أن الشرعية استردت زمام القرار ويمكن بناء علاقة استراتيجية تعيد دور "المشروع اللبناني"، مشروع الحريات والحداثة والابتكار، فيكسب لبنان نفسه وتكسبه دول المنطقة.
وهنا تبدو نظرية وهمية أخرى، وهي أن إسرائيل ستبتلع دور لبنان خصوصًا الاقتصادي، وأن مرفأ حيفا سيعطِّل مرفأ بيروت. هذا الابتلاع يعني أن دول المنطقة والخليج عامة ستفضل إسرائيل علينا. فمرفأ حيفا ما خطره إن لم ينفتح على دول المنطقة؟ لذا من الأجدى أن يكون للبنان بوابتان برّيتان بدل الارتهان للبوابة السورية. وعندما نتكلم على قدرة إسرائيل التنافسية ننسى أن الخليج العربي نفسه تنمو فيه الكفاءات المحلية التي تَصدَّرها اللبنانيون لفترة، ومن الغباوة الاتكال على معطيات ماضٍ مضى.
في هذا الأفق الذي يلوح تبدو اتفاقية سلام مع إسرائيل واجبة ليس لأسباب سياسية فقط بل لأسباب النظام الاقتصادي الجديد الذي يشق طريقه في المنطقة، ولبنان سيكون الخاسر الأكبر إذا كان خارجه. من أصل 22 دولة عربية هناك سبع دول لديها علاقات رسمية مع إسرائيل (من ضمنها السلطة الفلسطينية)، وإذا احتسبنا "العلاقات التجارية" و "القنوات الخلفية" يرتفع العدد إلى أكثر من نصف دول الجامعة العربية.
لم تعد الشعارات السياسية المحرك الوحيد لهذه الدول، لقد دخل الاقتصاد بقوة في معركة المصالح، وفي تحصين السيادة الوطنية. وقف النار واسترجاع أراضي "المنطقة الصفراء"، يتساويان في الأهمية مع "استرجاع الاقتصاد" ولقمة عيش اللبنانيين ورغدهم، والممر الإلزامي لكل هذا علاقات وطيدة مع أميركا واتفاقية سلام مع إسرائيل.