علي الطاهر سقطت.. حين يمنع السلاح الدولة فتتقدم إسرائيل

سقوط تلال علي الطاهر بيد إسرائيل يطرح سؤالًا يتجاوز أهمية الموقع العسكرية: ماذا يحدث عندما لا تتمكن الدولة اللبنانية من تولّي مواقع يفترض أن تكون تحت سلطتها؟
ففي الأسابيع الماضية، كان طرح تسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني حاضرًا في الاتصالات والمفاوضات. لكن حزب الله رفض دخول الجيش إلى الموقع، في موقف ارتبط برفض تسليم مواقع شمال الليطاني ضمن الترتيبات المطروحة. ومع استمرار المواجهة، انتهى الأمر بخروج الحزب من التلة ووصول القوات الإسرائيلية إليها.
المفارقة هنا قاسية: الموقع الذي لم يُرَد له أن يكون بعهدة الجيش اللبناني، أصبح في النهاية تحت السيطرة الإسرائيلية.
والثمن لا يُقاس فقط بالخريطة العسكرية. فالسيطرة على المرتفعات المشرفة على عدد من قرى النبطية وإقليم التفاح تفتح الباب أمام مزيد من الضغط على المناطق المحيطة، وقد بدأت بالفعل موجات نزوح جديدة من الأهالي الذين يخشون اتساع دائرة المواجهة. وكانت تقارير عسكرية قد أشارت إلى أن السيطرة على علي الطاهر تمنح إسرائيل إشرافًا ناريًا وميدانيًا على مساحة واسعة من المنطقة.
وهنا تصبح العودة إلى "نداء صور" و"نداء النبطية"، إضافةً إلى "نداء النبطية2" الجديد الذي صدر أمس، أكثر منطقية. فالنداءان لم يطرحا معادلة عسكرية بديلة، بل عبّرا عن مطلب أساسي لدى أبناء الجنوب: مناطق آمنة ومفتوحة، وحضور للدولة والجيش، وإبعاد البلدات الجنوبية عن منطق المحاور والحروب المفتوحة.
ما يحصل اليوم يضع هذا المطلب أمام اختبار عملي. فإذا كان البديل عن انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحساسة هو أن تنتقل هذه المناطق، واحدة تلو الأخرى، إلى السيطرة الإسرائيلية، فإن إبقاء الدولة خارج المشهد لا يحمي الجنوب ولا يحفظ سيادته.
المطلوب هنا ليس أن يدخل الجيش طرفًا في الحرب، بل أن يكون حاضرًا حيث يمكنه أن يحمي الأرض والأهالي. وإذا اصطدم انتشاره برفض أي جهة مسلحة، فالمسألة تصبح اختبارًا حقيقيًا لمفهوم الدولة نفسه: هل تملك الدولة حق الانتشار في أرضها، أم أن هناك مناطق تحدد جهة أخرى من يدخل إليها ومن يبقى خارجها؟
قد لا يكون الاحتكاك خيارًا مرغوبًا، لكن ترك الأرض للسلاح غير الشرعي ليس خيارًا أكثر أمانًا. فالتجربة التي شهدناها في علي الطاهر تؤكد ذلك.
وفي هذا السياق، تبدو المفارقة الإعلامية لافتة أيضًا. فالتلة التي جرى تقديمها لأشهر باعتبارها موقعًا استثنائيًا ومعادلة يصعب إسقاطها، وصولًا إلى ربطها بمضيق هرمز، يجري اليوم التقليل من شأنها بعد سقوطها.
لكن الجنوبي الذي يترك منزله لا يعنيه كثيرًا حجم التلة في الخطاب الإعلامي. ما يعنيه هو أن الخوف يقترب أكثر من منزله، وأن الدولة التي يفترض أن تحميه لا تزال تحاول تثبيت موطئ قدمها في منطقة تتنازعها القوى العسكرية.
من هنا، قد تكون الرسالة الأوضح من سقوط علي الطاهر أن حضور الدولة ليس ترفًا سياسيًا، بل وسيلة لمنع تمدد إسرائيل ومنع الجنوب من دفع ثمن المعادلات الإقليمية مرة جديدة.