علي الطاهر: شرارة تحرق ما تبقَّى…؟

لم تعد أزمة تلة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية محصورة في بقعة جغرافية، بل تحولت إلى امتحان حاسم لقدرة الدولة اللبنانية على حماية سيادتها، ومنع الاحتلال الإسرائيلي من فرض وقائع جديدة بالنار، والحؤول دون استخدام الأرض اللبنانية مجدداً ساحة لتصفية الحسابات بين إسرائيل وإيران.

الوقت ينفد، والتصعيد الإسرائيلي يسابق المساعي الديبلوماسية، فيما يتهيأ بنيامين نتنياهو لتحويل اقتحام المنشأة إلى «إنجاز عسكري» يوظفه في بازار الانتخابات الإسرائيلية. لذلك، فإن أي تباطؤ في إنجاز تسوية تحفظ حقوق لبنان لن يكون حياداً ولا حذراً، بل هدية مجانية لنتنياهو وحكومته المتطرفة، وفرصة إضافية لجيش الاحتلال كي يواصل غاراته وعمليات النسف والتجريف، ويوسع نطاق الخراب في القرى الجنوبية.

الحل الديبلوماسي لم يعد خياراً بين خيارات، بل أصبح ضرورة وطنية عاجلة. لكنه يجب ألا يقوم على الاستسلام للشروط الإسرائيلية، أو السماح لجيش الاحتلال بدخول التلة، والسيطرة على منشآتها ومحتوياتها. المطلوب صيغة متكاملة تفرض وقفاً فورياً للنار في محيط الموقع، وتؤمِّن ممرات آمنة لخروج العناصر اللبنانية والإيرانية الموجودة داخله، وتحفظ أرواحهم وكرامتهم، بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني وتسلُّمه المنشأة كاملة.

أما الأسلحة المخزَّنة داخلها، من صواريخ ومسيَّرات ومدافع وذخائر، فيجب ألا تقع تحت أي ظرف في أيدي الإسرائيليين. فتسليمها إلى الاحتلال، أو تمكينه من فحصها والحصول على أسرارها التقنية والميدانية، يمثل خطراً على الأمن الوطني اللبناني، ويتجاوز بكثير القيمة العسكرية المباشرة للموقع. والجيش اللبناني وحده هو الجهة الشرعية المخوَّلة تسلُّم المنشأة ومحتوياتها، والتصرف بها وفق قرار واضح يصدر عن مجلس الوزراء، وبما يكرس حصرية السلاح والسيادة ولا ينتقص منهما.

في المقابل، لا يجوز أن يتحول رفض الاجتياح الإسرائيلي إلى ذريعة لإبقاء لبنان أسير قرار إيراني يربط مصيره بحسابات طهران ومواجهتها مع إسرائيل والولايات المتحدة. فوجود عناصر إيرانية داخل الموقع، وفق المعلومات المتداولة، يضاعف خطورة الأزمة، لأنه يمنح إيران باباً للتدخل العسكري والسياسي، ويتيح لها تصوير أي اقتحام للمنشأة كأنه اعتداء مباشر عليها. وهكذا ينتقل لبنان في لحظة من محاولة احتواء أزمة محلية وتجنُّب تحوُّلها إلى مواجهة إقليمية لا يملك قرارها ولا القدرة على تحمل نتائجها.

لا يحق لإسرائيل الإستمرار في إقتحام المزيد من الإراضي اللبنانية تحت أي ذريعة، كما لا يحق لإيران أن تعتبر منشأة عسكرية في الجنوب امتداداً لأراضيها، أو جزءاً من منظومتها الدفاعية. هذه أرض لبنانية، وقرارها لبناني، وحمايتها مسؤولية الدولة وجيشها، وليس مسؤولية أي مشروع عابر للحدود.

وتقع على واشنطن، باعتبارها راعية المسار التفاوضي وضامنة التفاهمات القائمة، مسؤولية منع نتنياهو من نسف الحل الديبلوماسي. فلا يكفي أن تدعو الإدارة الأميركية إلى التهدئة، فيما تترك آلة الحرب الإسرائيلية تقصف وتنسف وتجرف. الضمانة الحقيقية تكون بإلزام إسرائيل وقف عملياتها، ومنع قواتها من دخول التلة، وتأمين انسحابها من الأراضي التي تحتلها، وربط أي ترتيب ميداني بجدول زمني واضح، لا بمواعيد مفتوحة تخضع للحسابات الانتخابية الإسرائيلية.

نتنياهو يحتاج إلى معركة علي الطاهر أكثر مما يحتاج إليها أمن إسرائيل. إنه يريد صورة اقتحام ورفع علم فوق المنشأة ليقدِّمها إلى ناخبيه دليلاً على تحقيق «النصر»، في مواجهة معارضة متنامية وانقسامات تضرب حكومته وائتلافه. ومن الخطأ القاتل أن يمنحه حزب االله، أو أي طرف لبناني، هذه الصورة بسبب العناد أو التردد أو الارتهان لحسابات خارجية.

وفي هذا السياق، جاء خطاب رئيس الحكومة نواف سلام من أحد معاقل الجيش الجنوبية ليعبّر عن إدراك الدولة خطورة اللحظة، وحرصها على استعجال إنهاء الأزمة، وتخفيف آلام الجنوبيين الذين دفعوا أكثر من غيرهم أثمان الحروب المتلاحقة. فهؤلاء لا يحتاجون إلى مزيد من خطابات الصمود، بل إلى الأمان، وإعادة إعمار منازلهم، وتأهيل طرقاتهم ومدارسهم ومستشفياتهم، وتمكينهم من العودة إلى قراهم وحقولهم، رغم قسوة الظروف المعيشية.

أزمة علي الطاهر لا تُحل بمغامرة عسكرية، ولا بمساومة غامضة. بل بقرار لبناني حازم: منع الاحتلال من اقتحامها، إخراج المحاصرين بسلام، تسليم الموقع وسلاحه إلى الجيش، وإغلاق الباب نهائياً أمام التدخل الإيراني. فإما أن تعود التلة إلى كنف الدولة، وإما أن تتحول إلى شرارة تحرق ما بقي من الجنوب ولبنان.