المصدر: الوكالة الوطنية للإعلام
السبت 15 آب 2026 14:11:57
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خدمة القداس في كنيسة نياح السيدة – رأس بيروت بمناسبة عيد رقاد السيدة والدة الإله. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "نحتفل اليوم بعيد رقاد والدة الإله، متأملين اكتمال الحياة التي عاشتها في شركة عميقة مع الله وطاعة كلية لمشيئته. لذا تنظر الكنيسة إلى رقادها كعبور إلى الحياة، لأن الموت بالنسبة للتي حملت المسيح في أحشائها، ليس انفصالا عن الحياة، بل انتقال إلى ملء الحياة مع الذي أحبته وخدمته وأطاعت مشيئته. نحن لا نستطيع أن نفهم كيف رقدت والدة الإله، إن لم نفهم أولا كيف عاشت. فالإنسان لا يصنع في لحظة موته علاقة جديدة مع الله لأن الموت يكشف حقيقة العلاقة التي عاشها معه طوال حياته. العذراء مريم، منذ لحظة بشارتها، اختارت أن تكون حياتها كلها لله. لذلك، لم تبحث عن ضمانات، ولم تطلب أن تفهم المستقبل، بل أطاعت كأمة للرب فصار «اللحد سلما مصعدة إلى السماء»، «فانتقلت من الأرض إلى السماء» كما نرتل في غروب العيد".
أضاف: "والدة الإله لم تجعل نفسها مركز حياتها، بل الله. من هنا تبدأ كل حياة روحية حقيقية. الإنسان المعاصر يريد أن يملك حياته بالكامل، أن يخطط لكل شيء، وأن يضمن المستقبل، وأن يفهم قبل أن يؤمن، وأن يقبل من الله ما ينسجم مع رغباته. والدة الإله تعلمنا أن الإيمان ليس أن أفهم كل شيء، بل أن أثق بالله، وأن أضع حياتي بين يديه حتى عندما لا أعرف إلى أين يقودني. طاعة العذراء لم تكن موقفا عابرا، بل كانت طريقة حياة. يقول الإنجيل: «أما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها» (لو 2: 19). إنها لا تسمع كلمة الله ثم تنساها، بل تدخل الكلمة إلى قلبها، وتحفظها، وتتأملها، وتسمح لها بأن تغيرها. قال الرب: «طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها» (لو 11: 28). والدة الإله هي المثال الحي للإنسان الذي لا يكتفي بسماع كلمة الله، بل يجعلها أسلوب حياة. نحن أيضا نسمع كلمة الله، ونقرأ الإنجيل، ونصلي، ونشارك في الأسرار المقدسة. هل سألنا أنفسنا: كم مرة أطعنا المسيح؟ كم مرة سمحنا لكلمته أن تفعل فينا وتغيرنا؟ هل تؤثر كلمة الله في قراراتنا وفي طريقة تعاملنا مع الإخوة وفي طريقة احتمالنا للألم؟ أم إننا نريد المسيح في الكنيسة فقط، ونريد حياتنا في اتجاه آخر؟"
وتابع: "لقد حملت العذراء المسيح أولا في قلبها، بالإيمان والطاعة، ثم في أحشائها. يقول القديس غريغوريوس بالاماس إن والدة الإله بلغت أسمى درجات الإتحاد بالله، لأنها قدمت له كيانها كله، ولم تترك في حياتها موضعا مغلقا أمام نعمته. حياة العذراء ليست صورة بعيدة عن متناولنا، بل دعوة لنتعلم منها كيف يصبح الإنسان مسكنا لله. يقول الرب يسوع: «من يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي» (مت 12: 50). يريد المسيح أن يجعل كلا منا قادرا، بالنعمة، على حمل حضوره في حياته، على مثال والدة الإله، أي أن نصير مستعدين كل يوم لأن نقول مثلها: «ليكن لي كقولك»، وأن نحفظ كلمته في القلب، وأن نعيشها في الواقع. الطريق لم يكن سهلا على العذراء. «إبن العلي» الذي بشرها الملاك بأنها ستحبل به، رأته طفلا محتاجا إلى رعايتها، ثم مرفوضا ومضطهدا ومصلوبا. مع ذلك، وقفت عند الصليب. لم تهرب عندما صار الإيمان به مؤلما، بل بقيت حيث كان الألم، لأنها بقيت حيث كان المسيح. كثيرون في أيامنا يحبون المسيح ما دام الطريق سهلا، لكنهم يتراجعون عندما تعترضهم تجربة أو مرض أو خسارة أو ظلم، أو عندما يظنون أن الله لا يسمعهم. مريم تعلمنا أن الإيمان الحقيقي يعني الثبات مع المسيح وسط الألم. لذلك يصبح رقادها مفهوما في ضوء حياتها كلها. فالتي عاشت مع المسيح، رقدت فيه؛ والتي لم تفصل قلبها عنه في الأرض، لم يفصلها عنه في الرقاد".
وختم: "رقاد والدة الإله لا يدعونا فقط إلى تكريمها، بل إلى التعلم منها. نتعلم التواضع بدل التمركز حول الذات، والطاعة بدل العناد، والصمت بدل كثرة الكلام، وحفظ كلمة الله بدل الإكتفاء بسماعها، والثبات بدل الهروب عندما يصبح الطريق صعبا. الأهم أن نتعلم أن نحمل المسيح في حياتنا، لا بالكلام، بل بالمحبة والتواضع والغفران والصبر والتوبة. عندئذ يصبح كل عيد في الكنيسة طريقا لنا نحو الخلاص، ويصبح قبرنا «سلما مصعدة إلى السماء» كما رتلنا في صلاة الغروب أمس".