المصدر: المدن
الكاتب: بتول يزبك
الثلاثاء 21 تموز 2026 11:28:21
ليس واضحًا بعد ما إذا كان رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ذاهبًا إلى واشنطن ليحصل على انسحاب إسرائيليّ، أم ليحصل على وعد أميركيّ جديد بأنّ الانسحاب سيحصل يومًا ما. والفارق بين الأمرين، في لبنان، ليس تفصيلًا. إنّه الفارق بين عودة قرية إلى أهلها، وبقائها بندًا مؤجّلًا في محضر اجتماع.
يذهب عون إلى البيت الأبيض، وفي يده ملفّ ثقيل، وفي ظهره بلد ضعيف، وأمامه رئيس أميركيّ يحبّ العلاقات الشخصيّة أكثر ممّا يحبّ التفاصيل. وقد تكون هذه ميزة، وقد تكون فخًّا. ففي عالم دونالد ترامب، قد تصنع المصافحة سياسة، وقد يفسد سؤال صحافيّ ما أعدّته الدبلوماسيّة في أسابيع.
وبين إعلان وزارة الخارجيّة الأميركيّة بدء عمليّات "المنطقة التجريبيّة" في قرى فرون وصريفا وزوطر الغربيّة، والقمّة المرتقبة بين عون وترامب، يتقدّم سؤال واحد على ما عداه: هل تستطيع واشنطن إلزام إسرائيل بما وافقت عليه، أم أنّ الاتفاق سيصبح صيغة جديدة لتنظيم الاحتلال بدل إنهائه؟
كانت المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة، التي استضافتها روما برعاية أميركيّة، قد أفضت إلى تفاهمات تتعلّق بإطلاق "مناطق تجريبيّة" يتسلّم فيها الجيش اللبنانيّ زمام السيطرة، بالتوازي مع انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ. لكنّ ما أُنجز حتّى الآن لا يرقى إلى جدول زمنيّ شامل للانسحاب، بل يقتصر على خطوات موضعيّة يُفترض أن تُختبر قبل الانتقال إلى مراحل لاحقة.
وهنا تكمن المعضلة: المطلوب من لبنان محدّد، ثقيل، وقابل للقياس: انتشار الجيش، نزع سلاح المجموعات المسلّحة، وضبط الحدود. أمّا المطلوب من إسرائيل فلا يزال، في قسم كبير منه، قابلًا للتأويل: انسحاب تدريجيّ، تهدئة مشروطة، وضمانات أمنيّة تستطيع تل أبيب توسيع تعريفها كلّما أرادت تمديد بقائها.
زيارة تتجاوز البروتوكول إلى اختبار الضمانات
لا تكتسب زيارة عون أهمّيّتها من كونها أوّل زيارة لرئيس لبنانيّ إلى البيت الأبيض منذ ما يقارب عقدين فحسب، بل من توقيتها أيضًا. إنّها تأتي فيما يحاول لبنان فصل مصيره عن الحرب الإقليميّة الأوسع، وتثبيت معادلة تقول إنّ تنفيذ التزاماته يجب أن يقابله تنفيذ إسرائيليّ واضح، لا وعود مؤجّلة إلى ما بعد إنجاز المهمّة اللبنانيّة كاملة.
وقد شكّل لقاء عون مع وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو المدخل السياسيّ إلى القمّة. فالإدارة الأميركيّة تعلن دعمها لاستعادة الدولة اللبنانيّة سيادتها، وانتشار الجيش، وتنفيذ الإطار الثلاثيّ. لكنّ الرئيس اللبنانيّ لا يحتاج في واشنطن إلى بيان جديد عن دعم الاستقرار، بل إلى تعريف دقيق لما تعنيه الولايات المتّحدة عندما تتحدّث عن الانسحاب الإسرائيليّ.
هل يشمل الانسحاب كامل الأراضي اللبنانيّة التي دخلتها إسرائيل؟ هل يرتبط بتاريخ محدّد؟ هل يكون متزامنًا مع انتشار الجيش، أم يبقى معلّقًا إلى حين إعلان واشنطن وتل أبيب اقتناعهما بأنّ خطر "حزب الله" قد زال؟ ومن يحدّد أصلًا أنّ هذا الخطر قد زال؟
تلك ليست أسئلة تفصيليّة. إنّها جوهر الاتفاق كلّه. فالانسحاب الذي لا يرتبط بمهلة نهائيّة قد يتحوّل إلى عمليّة لا تنتهي، والمرحلة الانتقاليّة التي لا تُضبط سياسيًّا وقانونيًّا قد تصبح اسمًا دبلوماسيًّا لاحتلال طويل.
"الكيمياء" التي قد تصنع سياسة
يرى مصدر دبلوماسيّ، تحدّث إلى "المدن"، أنّ لقاء ترامب وعون قد يكون من أهمّ اللقاءات التي يجريها رئيس الجمهوريّة خلال عهده، وربّما يوازي في أهمّيّته لقاءاته مع وليّ العهد السعوديّ، أو يتقدّم عليها.
ويربط المصدر ذلك بطبيعة إدارة ترامب، التي لا تتحرّك دائمًا وفق المؤسّسات والاتّجاهات التقليديّة وحدها، بل تتأثّر، إلى حدّ بعيد، بالانطباع الشخصيّ الذي يتكوّن لدى الرئيس الأميركيّ عن ضيفه.
ويقول المصدر إنّ "دونالد ترامب يبني مواقفه، في كثير من الأحيان، على العلاقات الشخصيّة"، مشيرًا إلى أنّ اللقاء المباشر يحظى لديه بأهمّيّة أكبر ممّا كان يحظى به في إدارات أميركيّة سابقة، كانت سياساتها أكثر ثباتًا وأقلّ ارتباطًا بالأشخاص.
ومن هذه الزاوية، يبدي المصدر تفاؤلًا حذرًا. فشخصيّة عون، كما يقول، قد تكون جذّابة بالنسبة إلى ترامب: قائد عسكريّ سابق، ذو حضور قويّ، وديناميكيّة واضحة، ويقدّم نفسه بوصفه رجل دولة يريد استعادة المؤسّسات، لا إدارة انهيارها.
قد تبدو الإشارة إلى الهيئة والحضور الشخصيّين هامشيّة، أو حتّى ساذجة، قياسًا إلى ثقل الملفّات المطروحة. لكنّها ليست كذلك تمامًا في عالم ترامب، حيث كثيرًا ما تسبق الصورةُ الوثيقةَ، وتؤثّر المصافحة في المسار الذي ستسلكه المفاوضات لاحقًا.
ووفق المصدر، فإنّ نجاح "الكيمياء" بين الرئيسين قد يفتح الباب أمام نتائج مهمّة، خصوصًا إذا قرّر ترامب تبنّي مطلب عون علنًا، والقول بوضوح إنّ النهاية المطلوبة هي انسحاب إسرائيل من لبنان، وانسحاب "حزب الله" عسكريًّا من جنوبه.
لكنّ الرهان على الشخصنة ينطوي، في الوقت نفسه، على مكمن ضعف. فما تمنحه العلاقة الشخصيّة سريعًا، قد تسحبه سريعًا أيضًا. وما دام القرار الأميركيّ مرتبطًا، إلى حدّ بعيد، بمزاج رجل واحد، فإنّ الضمانة تظلّ سياسيّة أكثر منها مؤسّساتيّة.
سؤال واحد قد يفسد المشهد
لا يخفي المصدر الدبلوماسيّ قلقه من الطريقة التي قد يُدار بها الظهور الإعلاميّ في البيت الأبيض. وهو يستعيد، في هذا السياق، اللقاء الأوّل المتوتّر بين ترامب والرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي، قبل أن تتحسّن العلاقة بينهما في لقاءات لاحقة.
والخشية، وفق المصدر، ليست من توجّه الإدارة التي تريد، على الأرجح، دعم عون وإظهار الاجتماع في صورة إيجابيّة، بل من سؤال إعلاميّ مفاجئ قد ينقل الرئيس اللبنانيّ من موقع الضيف المدعوم إلى موقع المتّهم الذي يُطلب منه تقديم إجابة ثنائيّة عن واقع لبنانيّ شديد التعقيد.
ماذا يفعل عون، مثلًا، إذا سُئل أمام ترامب وروبيو: "هل تعتبر حزب الله منظّمة إرهابيّة؟".
الإجابة بـِ "نعم" قد تفتح عليه أزمة داخليّة كبرى، وتظهره كأنّه يتبنّى التعريف الأميركيّ للصراع اللبنانيّ. والإجابة بـِ "لا" قد تُستخدم ضدّه في واشنطن، وتضعف قدرته على طلب المساعدة والضغط على إسرائيل. أمّا الإجابة المركّبة، التي تميّز بين الموقف الأميركيّ ووضع الحزب داخل التركيبة اللبنانيّة، فقد لا تجد مكانًا لها في مشهد إعلاميّ يبحث عن العبارة الصادمة، لا عن الدقّة.
لهذا، يصف المصدر الاجتماع بأنّه شديد الأهمّيّة وشديد الحساسيّة في آن واحد. فالمقصود من الدعوة، في تقديره، هو تأييد عون ودعمه، وربّما الإعلان عن مساعدات أو برامج جديدة للبنان. لكنّ اجتماعًا صُمّم لإسناد الرئيس اللبنانيّ يمكن أن ينقلب، خلال دقائق، إذا نجح الإعلام في فرض أسئلته على جدول الأعمال.
حدود المطلوب من إسرائيل
السؤال اللبنانيّ الحقيقيّ ليس ما إذا كان ترامب سيعلن تأييده لعون. التأييد السياسيّ متوقّع، وقد عبّرت عنه الإدارة الأميركيّة في أكثر من مناسبة. السؤال هو: ماذا يستطيع ترامب أن ينتزع من رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، ومتى؟
وفق الإطار المعلن، يُفترض أن تؤدّي "المناطق التجريبيّة" إلى انسحاب القوّات الإسرائيليّة، وانتشار الجيش اللبنانيّ، وإبعاد السلاح غير الشرعيّ. لكنّ الخلاف يبدأ عند ترتيب هذه الخطوات: لبنان يريد انسحابًا يسمح للجيش بالانتشار، فيما تصرّ إسرائيل على أنّ الانسحاب يجب أن يأتي بعد التحقّق من زوال التهديد.
بهذا المعنى، لا يختلف الطرفان على الهدف النظريّ بقدر اختلافهما على من يخطو أولًا، ومن يضمن ألّا تتحوّل خطوته إلى تنازل مجانيّ.
تريد إسرائيل أن يتقدّم الجيش اللبنانيّ إلى منطقة تقول إنّها لا تزال خطرة، وأن ينزع سلاح "حزب الله"، وأن يمنع إعادة بناء بنيته العسكريّة. لكنّ الجيش لا يستطيع الانتشار بأمان في أرض ما زالت إسرائيل تملك فيها حرّيّة القصف والاستهداف، أو تتعامل معها بوصفها "منطقة أمنيّة" خاضعة لقواعد تضعها من جانب واحد.
لذلك، لا يكفي أن توافق إسرائيل على الانسحاب "في نهاية المطاف". المطلوب أن توافق على آليّة متزامنة: تنسحب من نقطة محدّدة، يدخلها الجيش اللبنانيّ فورًا، تبدأ عمليّات المسح وإزالة الذخائر والأجسام المشبوهة، ثمّ يعود الأهالي وفق خطّة أمنيّة وإعماريّة واضحة.
أمّا فصل الانسحاب عن العودة، أو انتشار الجيش عن إعادة الإعمار، فينتج مناطق خالية من القوّات الإسرائيليّة نظريًّا، لكنّها غير قابلة للحياة فعليًّا.
"المناطق التجريبيّة": إنجاز أم اختبار مؤجّل؟
يتوقّع المصدر الدبلوماسيّ أن يكون الإعلان عن تنفيذ الخطوة الأولى في "المناطق النموذجيّة" أو "التجريبيّة" أحد الأمور الملموسة التي قد يحملها عون من واشنطن، وهذا ما تبلور بإعلان الخارحيّة الأميركيّة اليوم انطلاق عمليات المنطقة التجريبيّة.
ويقول إنّ هذه الخطوة، وإن كانت متّفقًا عليها من حيث المبدأ، لم تكن قد دخلت حيّز التنفيذ الكامل، ولذلك فإنّ إطلاقها سيشكّل مؤشّرًا مهمًّا إلى أنّ القمّة لم تنتهِ ببيانات المجاملة وحدها. لكنّ بدء التجربة لا يجيب تلقائيًّا عن السؤال الأكبر. فالمنطقة التجريبيّة قد تكون نموذجًا يُعمّم، وقد تصبح استثناءً محدودًا تستخدمه واشنطن للقول إنّ الاتفاق يتحرّك، فيما يبقى معظم الجنوب تحت رحمة المراوحة العسكريّة.
المعيار، إذن، ليس عدد القرى التي تدخل المرحلة الأولى، بل وجود مسار ملزم يربط كلّ مرحلة بالتي تليها. ينبغي أن يكون واضحًا مسبقًا ما الذي يحصل بعد فرون وصريفا وزوطر الغربيّة، وما المهلة الفاصلة بين منطقة وأخرى، وما الجهة التي تحسم الخلاف إذا أعلنت إسرائيل أنّ الشروط الأمنيّة لم تتحقّق.
من دون هذه الأجوبة، تصبح "التجربة" قابلة للتمديد إلى ما لا نهاية، ويصبح نجاحها أو فشلها خاضعًا للتقييم الإسرائيليّ وحده.
ما الذي قد يعود به عون؟
لا يملك المصدر الدبلوماسيّ معلومات حاسمة عن مضمون ما سيُعلن بعد القمّة، لكنّه يرجّح عددًا من الاحتمالات: إطلاق المرحلة الأولى من المناطق التجريبيّة، إعلان مساعدات للجيش أو مؤسّسات الدولة، طرح برامج دعم إضافيّة، أو التمهيد لمؤتمر دوليّ لمساعدة لبنان.
ويرى أنّ تكرار ترامب موقفه الداعي، في نهاية المطاف، إلى انسحاب إسرائيل من لبنان، وإبعاد "حزب الله" عن الجنوب، سيكون مفيدًا سياسيًّا، خصوصًا إذا قيل إلى جانب عون ومن داخل البيت الأبيض.
غير أنّ العبارة وحدها لا تكفي. فالقيمة الفعليّة لأيّ موقف أميركيّ تُقاس بما يفعله ترامب بعد مغادرة عون، عندما يتحدّث إلى نتنياهو، وحين تضطرّ واشنطن إلى الاختيار بين الضغط على إسرائيل أو إعادة تفسير الاتفاق بما يناسب شروطها.
فإذا عاد عون ببدء فعليّ للمناطق التجريبيّة، وبضمانات مكتوبة للانتقال إلى مناطق لاحقة، وبموعد للانسحاب، وبمساعدات تمكّن الجيش من الانتشار، يمكن القول إنّ الزيارة فتحت ثغرة في جدار الحرب.