المصدر: نداء الوطن
الكاتب: داود رمال
السبت 1 آب 2026 07:25:28
كثرت التحليلات والتساؤلات حول زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن السؤال الأكثر أهمية بقي غائبًا عن النقاش، وهو: ما الهدف الحقيقي من هذه الزيارة؟ فالزيارة جاءت في توقيت بالغ الحساسية لإطلاق مرحلة تنفيذية من صيغة الإطار التي باتت تشكّل، وفق الرؤية اللبنانية، المخرج الوحيد الممكن من دائرة المواجهة المفتوحة مع إسرائيل. فالوقائع الميدانية أثبتت أن الحلول العسكرية استنفدت قدرتها على إنتاج نتائج حاسمة، إذ لا يستطيع "حزب الله"، حتى لو استمرت المواجهة لسنوات، إزالة إسرائيل من الوجود، كما أن إسرائيل، مهما صعّدت عملياتها العسكرية، لن تتمكن من القضاء على "الحزب"، بل ستؤدي فقط إلى تدمير لبنان وإغراقه في مزيد من الأزمات. ومن هنا، أصبح الانتقال إلى الحل الدبلوماسي ضرورة فرضتها الوقائع، لا خيارًا سياسيًا قابلا للتأجيل.
وانطلاقًا من هذا الفهم، توجّه الرئيس عون إلى واشنطن حاملا هدفًا واضحًا يتمثل في بدء تنفيذ صيغة الإطار التي جرى إنجازها، باعتبار أن مفتاح التنفيذ موجود لدى الولايات المتحدة القادرة وحدها على ممارسة الضغط على إسرائيل للالتزام بما تم الاتفاق عليه. وخلال اللقاء مع الرئيس ترامب، طلب عون دعمًا أميركيًا مباشرًا لدفع إسرائيل إلى الشروع في تنفيذ المرحلة الأولى، كما طالب باستمرار دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، إضافة إلى إطلاق مسار الدعم الاقتصادي وإعادة إعمار المناطق المتضررة وفق الآلية التي تنصّ عليها صيغة الإطار. وهذه الآلية تقوم على مبدأ المناطق النموذجية، حيث يبدأ التنفيذ بانسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة المحددة، يعقبه انتشار الجيش اللبناني، ثم إزالة السلاح والمخلفات الحربية، فعودة الأهالي إلى منازلهم، وأخيرًا إطلاق مشاريع إعادة الإعمار. وبذلك، فإن التمويل الدولي، الذي يُقدّر بما بين 20 و25 مليار دولار، لن يُمنح للبنان دفعة واحدة، بل سيتدفق تدريجيًا مع استكمال تنفيذ كل منطقة نموذجية، ما يعني أن الانسحاب الإسرائيلي يشكّل الحلقة الأولى والأساسية، لأن أي تأخير فيه سيؤدي تلقائيًا إلى تعطيل بقية المراحل.
وتشير المعطيات إلى أن الرئيس عون نجح في تحقيق معظم ما ذهب من أجله، إذ حصل على تجاوب واضح من الرئيس الأميركي في ما يتعلق بدعم الجيش، والسير بمسار إعادة الإعمار، والعمل على الضغط لتسريع تنفيذ صيغة الإطار. أما بالنسبة إلى الجدول الزمني، فقد تلقّى وعدًا من ترامب ببذل الجهود لتسريع التنفيذ، مع الإقرار بأن هذا المسار يبقى مرتبطًا أيضًا بانشغال الإدارة الأميركية بالمعركة الإقليمية القائمة مع إيران، والتي تستحوذ على جزء كبير من اهتمام البيت الأبيض في هذه المرحلة.
ويكتسب نجاح تجربة المناطق النموذجية أهمية استثنائية، لأنها تشكّل الاختبار العملي الأول لصيغة الإطار. ولم يكن اختيار زوطر الغربية وفرون والغندورية نتيجة حسابات سياسية، بل فرضته التطورات الميدانية في مرحلة كانت فيها المفاوضات مستمرة في واشنطن، فيما كانت القوات الإسرائيلية تواصل تقدمها حتى أصبحت على بعد نحو كيلومترين من مدينة النبطية. يومها، كان الرئيس عون يخوض معركة دبلوماسية لمنع دخول القوات الإسرائيلية إلى المدينة، لما كان سيترتب على ذلك من تداعيات خطيرة. وقد جرت لاحقًا محاولات لتعديل نطاق المناطق النموذجية، إلا أن الظروف لم تسمح بذلك، فوافق لبنان على إطلاق المرحلة الأولى كما هي، إلا أنه بدأ فورًا العمل على تحديد منطقتين نموذجيتين إضافيتين تكونان محتلتين بالكامل، بما يسمح بتوسيع نطاق التنفيذ تدريجيًا، وهو مسار يعوّل لبنان على أن يكون الرئيس ترامب الضامن الأساسي لإنجازه.
ولا تقتصر أهمية الزيارة على مضمونها التنفيذي، بل تمتد إلى بعدها السياسي داخل الإدارة الأميركية، حيث نجح الرئيس عون في تحقيق اختراق لافت في بيئة لطالما هيمن عليها اللوبي المؤيد لإسرائيل، في مقابل لوبي لبناني عانى طويلا من الانقسام وضعف التأثير. فالزيارة، وفق هذه القراءة، أعادت التوازن إلى طريقة عرض الموقف اللبناني داخل واشنطن، ولم يعد الصوت الإسرائيلي هو الوحيد الذي يصل إلى دوائر القرار، بل أصبح للبنان حضور مباشر ورواية سياسية تجد من يصغي إليها في أعلى مستويات الإدارة الأميركية.
كما أن المشهد الذي رافق اللقاء بين ترامب وعون حمل دلالات سياسية لا تقل أهمية عن مضمونه، إذ نادرًا ما يخصص الرئيس الأميركي نحو خمس وأربعين دقيقة للإجابة عن أسئلة الصحافيين بحضور ضيف أجنبي، وهو ما اعتبره كثيرون مؤشرًا إلى مستوى الاهتمام الذي أولاه ترامب للزيارة وللرسائل التي حملها الرئيس اللبناني. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن جوزاف عون نجح في استقطاب اهتمام رأس الهرم السياسي الأميركي، الأمر الذي قد ينعكس تدريجيًا على بقية مستويات الإدارة، بحيث لم تعد حظوظ لبنان في إيصال موقفه والدفاع عن مصالحه معدومة كما كانت في السابق، بل بات يمتلك فرصة حقيقية للتأثير، وأصبح صوته مسموعًا داخل مراكز القرار الأميركي.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى العامل الإسرائيلي هو العنصر الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة، إذ لا أحد يستطيع الجزم بالخطوات التي قد تُقدم عليها إسرائيل. إلا أن الفارق اليوم، وفق القراءة اللبنانية، يتمثل في أن أي محاولة لعرقلة تنفيذ صيغة الإطار لن تبقى من دون متابعة، بعدما أصبح لدى لبنان خط تواصل مباشر مع الإدارة الأميركية، بما يسمح بمعالجة أي تطورات بصورة فورية، ويمنح المسار الدبلوماسي فرصة أكبر للتحول من تفاهم سياسي إلى واقع تنفيذي يفتح الباب أمام الاستقرار وإعادة الإعمار.