المصدر: المدن
الكاتب: فرح منصور
الجمعة 19 حزيران 2026 08:46:58
لم تكن الأرقام المرتفعة للإصابات بالأورام السرطانية في لبنان وليدة الحرب الإسرائيلية الأخيرة فحسب، بل جاءت المحصلة الأحدث لتراكم طويلٍ من الأزمات البنيوية والبيئية. لكنّ الأسلحة والزخائر التقليدية وغير التقليدية التي أُسقطت على المدن والبلدات اللبنانيّة، فتحت الباب أمام فصل جديدٍ وأكثر قتامةً في السجل الصحيّ للبلاد.
فصل لم تظهر معالمه الكاملة اليوم، بل ستتكشف فصوله تباعاً على المديين المتوسط والطويل.
في قراءة علمية وميدانية لواقع القطاع وارتدادات الحرب، يشرح الطبيب المتخصص في سرطان الدم في الجامعة الأميركية، الدكتور جان الشيخ في حديث خاص لـِ "المدن" أن الارتفاع المُسجل في أعداد المصابين بالسرطان يعود إلى منظومة متكاملة من العوامل التقليدية والمستجدة.
يبرز القلق النفسي الحاد والـ STRESS إلى جانب التلوث البيئيّ الذي ينهك الرئات والمياه، كعاملٍ أساسيّ يساهم في تحفيز الخلايا السرطانية الكامنة في الجسم. ومع ترهّل القطاع الصحيّ وتراجع قدراته الحمائية، جاءت الحرب الأخيرة لتضع اللبنانيين أمام مواجهة مباشرة، مع مخلفات أسلحة فتاكة يتوقع الشيخ أن تنعكس آثارها الكارثية على صحة الإنسان بشكل ملموس خلال السنوات الخمس المقبلة.
من الردم إلى الصدور: الفطريات القاتلة والتشوهات
بحسب الدكتور الشيخ لا يقتصر الخطر الأكبر على المرضى الحاليين، بل يمتد ليشمل "الأشخاص الطبيعيين" الذين قد يواجهون تشخيصاً بالسرطان في السنوات المقبلة نتيجة استنشاقهم السموم المنبعثة من القنابل ورائحة الدمار، ومادة الفوسفور الأبيض. ناهيك عن المبيدات والمواد الكيميائية التي رُشت فوق مساحات شاسعة من الحقول الزراعية.
لا تتوقف الكلفة الصحية عند حدود الأورام. يحمل المقبل من الأيام، وفق التحذيرات الطبية، ارتفاعاً في معدلات الأمراض التشوهيّة لدى حديثي الولادة والأجنّة لدى النساء الحوامل. يلفت الدكتور الشيخ الانتباه إلى ظاهرة مقلقةٍ بدأت تطفو على السطح أخيراً: "ثمة أمراض جرثومية وفطرية كانت تُصنف في الماضي كحالاتٍ نادرة، لكننا نراها اليوم بوضوحٍ. الردم والغبار الناتج عن الغارات العنيفة يتسلل إلى الصدور، ليسبب أنواعاً من الفطريات الخبيثة والخطرة التي قد تكون قاتلة في بعض الأحيان فضلاً عن الارتفاع الملحوظ في أمراض القلب والشرايين".
حتى الذين نجو بأجسادهم من القصف الإسرائيليّ ونزحوا من بلداتهم وقراهم، لم يسلموا من دائرة الخطر المستقبليّ. فالنزوح، بما يحمله من قهر نفسي، وسوء تغذية، وتراجع في مستوى الرعاية الصحية والبيئية داخل مراكز الإيواء، يشكل بيئة حاضنة ومحفزة لظهور الأمراض المستعصية لاحقاً.
لغة الأرقام: قفزة مخيفة في الإحصاءات
يتضح حجم الكارثة بالأرقام عند مقارنة الواقع الحالي بالماضي القريب. إذ تفيد آخر دراسة رسمية أُجريت في سنة 2014 أن لبنان كان يسجل نحو 250 حالة سرطان سنويّاً لكل 100 ألف شخص، أما اليوم ومع تبدل الظروف البيئية والمعيشية والامتحان العسكريّ الأخير، فإن هذا المعدل شقّ طريقه صعوداً بشكل قياسيّ. يتوقع الدكتور الشيخ أن تسجل البلاد ما بين 15 إلى 20 ألف حالة سرطان جديدة سنويّاً خلال السنوات المقبلة. وهذا رقم مرعب لبلدٍ يعاني أساساً من انهيار اقتصاديّ يشل مفاصل الخدمة الطبية.
على الرغم من هذا التقييم القاتم، يحرص الدكتور جان الشيخ على إبقاء طاقة الأمل مشرَّعة. يؤكد أن مرض السرطان في المفاهيم الطبية الحديثة لم يعد مرضاً قاتلاً بالضرورة، بل بات قابلاً للشفاء بنسب مرتفعة تتخطى الـ 80 بالمئة. لكنّ هذا التفاؤل العلميّ مشروط بـِ "ثلاثية ذهبية": التشخيص المبكر والصحيح، تأمين العلاج المناسب، واعطاء الأدوية في مواقيتها الدقيقة بلا تأخير وانقطاع. وهي شروط تبدو اليوم أشبه بالتحدي الاعجازيّ في ظل أزمة استيراد الدواء.
هشاشة المجتمع وشبكة الأمان العاطفية
في المقلب الاجتماعي للمرض، لم يعد السرطان في لبنان همّاً فرديّاً. إذ تحوّل إلى عبء ثقيل يصيب العائلة بأكملها وذلك نظراً لمرارة المعاناة النفسية والمادية التي ترافق رحلة العلاج.
ومع ذلك يرى الشيخ أن الشق الايجابي المتبقي في هذه البيئة المأزومة يكمن في "الترابط العائليّ". إذ لا يُترك المريض في لبنان وحيداً لمصيره، حيث تحضنه العائلة عاطفيّاً ومعنويّاً، وهو ما ينعكس بشكل ايجابيّ حاسمٍ على مناعته الجسدية واستجابته للعلاج. غير أنّ هذا الحصن العاطفيّ يواجه بدوره خطراً حقيقيّاً. فالمجتمع اللبنانيّ بات في عمومه متهالكاً وهشّاً، وتحت وطأة الظروف المعيشية الخانقة، فقدت شريحة واسعة من المواطنين قدرتها على تصدير الطاقة الايجابية أو تقديم الدعم المعنوي المستدام. ما يترك المريض وعائلته في مهبّ مواجهة مزدوجة: مع المرض العضال من جهة، ومن جهة أخرى مع مجتمعٍ يستنزف الانهيار قواه وبنيته التكافلية.