"غضب الشمال" الإسرائيلي قد يمنح تفويضًا جديدًا لاحتلال الجنوب

في زوطر الشرقيّة، استُخدم منزل لبنانيّ مركزًا لاقتراع جنود إسرائيليّين. إذ أنّ الانتخابات الّتي يُنتظر أن تحدّد الحكومة المقبلة، وربّما وجهة الحرب، سبقت موعدها العامّ إلى الأرض المحتلّة. وفيما قدّمت تغطيات إسرائيليّة التصويت خلال العمليّات خارج الحدود بوصفه سابقةً تنظيميّة، حمل المشهد معنى سياسيًّا أوسع: جنود يقترعون على اختيار السلطة الّتي ستقرّر استمرار وجودهم، من داخل بلدٍ تحتلّه قوّاتهم.

على الجانب الآخر من الحدود، ترصد الصحافة الإسرائيليّة غضبًا من نتنياهو، من دون أنّ ترصد بالوضوح نفسه اعتراضًا على الحرب. فالناخب الذي يحمّل رئيس الحكومة مسؤوليّة استمرار تهديد حزب الله قد ينتقل إلى منافسيه، وقد يمنح صوته لمن يَعِده بضربات أشدّ وبقاء أطول في لبنان. وهكذا، يحتمل أن تكون خسارة الليكود مكسبًا لأحزاب تقع إلى يمينه، وأن تُضعف المحاسبة نتنياهو من دون أن تُضعف سياسة الاحتلال.

لهذا، يتجاوز السؤال اللبنانيّ معرفة اسم رئيس الحكومة المقبل. الأهمّ هو التفويض الذي سيحمله الفائزون: أهو تفويض لإنتاج استقرار يتيح الانسحاب من لبنان، أم لتوسيع عمليّات يُقال إنّها لم تستكمل أهدافها؟ فالمحاسبة على غياب الأمن قد تفتح باب مراجعة الحرب، وقد ترفع الطلب عليها. والخلط بين الاحتمالين يحوّل القراءة الانتخابيّة إلى تمنٍّ سياسيّ.

خيبةٌ إلى يمين نتنياهو

في تقرير نشره "تايمز أوف إسرائيل" في 24 تشرين الأوّل، تبدو كريات شمونة أقلّ تماسكًا خلف نتنياهو ممّا كانت عليه. المدينة التي اعتادت منح الليكود نحو نصف أصواتها ما زالت تعاني ضعف الحركة وإغلاق المتاجر، فيما تتوزّع الشهادات بين مَن يتمسّكون به ومَن فقدوا الثقة بوعوده. وينقل التقرير عن مدير "أغام لابز" في الجامعة العبريّة، نمرود نير، ترجيحه انتقال قسم كبير من ناخبي الليكود المحبطين إلى أحزاب اليمين المتشدّد. بهذا، تصبح وجهة الأصوات أهمّ من حجم التراجع. فإذا انتقلت إلى "القوّة اليهوديّة" و"الصهيونيّة الدينيّة"، خسر نتنياهو وزنًا حزبيًّا وازداد اعتمادًا على شركائه. وقد يظلّ مرشّح معسكره لرئاسة الحكومة، لكنّ قدرته على رفض مطالب حلفائه تتقلّص. وحينها، يمكن للغضب على نتائج الحرب أن ينتج حكومةً أقلّ قدرة على إنهائها.

أمّا انتقال أصوات إلى غادي آيزنكوت، فيحمل معنى آخر، وإن لم يحسم السياسة تجاه لبنان. فقد يكون الاعتراض على صدقيّة نتنياهو وكفاءته، مع استمرار التمسّك بالأهداف العسكريّة نفسها. والفارق بين تغيير القيادة وتغيير الوجهة يظلّ واسعًا، خصوصًا حين تُبنى المنافسة على مَن يحقّق الوعود الأمنيّة، لا على مراجعتها.

في هذه البيئة، يُحاسَب نتنياهو لأنّه أعلن إضعاف حزب الله، فيما استمرّ نشاطه. لكنّ فشل الوعد لا يقود ناخبيه إلى الاستنتاج نفسه. بعضهم يشكّ في صاحبه، وبعضهم يعتقد أنّ تنفيذه يحتاج إلى قوّة أكبر. ومن الاحتمال الثاني يستمدّ اليمين المتشدّد فرصته.

تاريخٌ يحمي الولاء

وراء صلابة الليكود تاريخ اجتماعيّ يسبق نتنياهو. فقد ارتبطت بلدات التطوير باستيعاب الهجرة وتوزيع السكّان في الأطراف، واستقرّ فيها حضور واسع لليهود القادمين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتربط دراسات هذه البلدات بين موقعها الطرفيّ، وضعف فرصها الاقتصاديّة، وتشكّل هويّة محلّيّة تجمع الارتباط بالمكان والشعور بإهمال الدولة. وفي هذا السياق، اكتسب فوز مناحيم بيغن عام 1977 معنى يتجاوز تداول السلطة. فقد أنهى احتكار "مباي" وورثته الحكم، وفتح أمام الاعتراض على المؤسّسة العماليّة قناةً حزبيّة واسعة. وتربط دراسات السياسة الشرقيّة التحوّل بمحاسبة تلك المؤسّسة على التهميش، وبحث جماعات شرقيّة عن تمثيل مختلف.. منذ ذلك الحين، تراكم في تأييد الليكود ما يصعب اختزاله في تقييم الخدمات أو أداء الحكومة. صار الحزب، لدى قسم من ناخبيه، جزءًا من موقعهم داخل المجتمع ومن روايتهم عن الاعتراف بهم. ولهذا يستطيع الاحتفاظ بأصوات ساخطين عليه، فيما يظلّ خصومه محتاجين إلى تجاوز إرث علاقتهم بهذه البيئات.

المفارقة أنّ حزبًا أمضى سنوات طويلة في السلطة يحتفظ بقدرته على استدعاء صورة الاعتراض عليها. فالمحاسبة الراهنة تصطدم بذاكرة أقدم، ويستفيد نتنياهو من صراع لم يعد هو الطرف الأضعف فيه. وتظهر الكلفة الاجتماعيّة لمغادرة الحزب في شهادة ينقلها "تايمز أوف إسرائيل": مشاركون في لقاء لمؤيّدي آيزنكوت رفضوا تصويرهم خشية ردود فعل الأقارب والجيران. يتغيّر الرأي هنا قبل أن يصبح إعلانه سهلًا. ومن ثمّ، قد يكون الانتقال إلى حزب آخر داخل اليمين أقلّ كلفةً من مغادرة المعسكر بكامله.

شمالٌ منقسم على الدولة

لكنّ كريات شمونة لا تختصر الشمال، كما لا تختصر الأصول الاجتماعيّة سلوك ناخبيها. ففي تقرير القناة 13، المنشور في 15 أيلول، تتجاور شهادات ليكوديّين قدامى وسكّان كيبوتسات إصبع الجليل وناخبين شباب، في محاولة لقياس أثر الحرب والإخلاء على التصويت.ويظهر التفاوت بصورة أوضح في دراسة لمعهد أبحاث الأمن القوميّ، نُشرت في آذار 2025. فقد رصدت تعمّق انقسامات بين كريات شمونة والموشافات والكيبوتسات، إلى جانب انقسام بين مَن أُخلوا رسميًّا ومَن بقوا أو غادروا بقرارهم. وسجّلت اعتراضات على توزيع المساعدات وفق المسافة من الحدود، رغم تشابه بعض الأخطار.

تدخل الحرب، هنا، في علاقات المركز والأطراف وفي التنافس على موارد الدولة. ويختلف الغضب تبعًا لما تلقّته كلّ بيئة، ولقدرتها على تحصيل التعويض وإعادة تشغيل اقتصادها. لذلك، قد تتشابه الشكاوى وتختلف ترجمتها الحزبيّة، وقد يتقدّم سؤال الوسيط القادر على تأمين المساعدة على سؤال مسؤوليّة الحكومة عن الأزمة.

وهذه التفاوتات تجعل صورة "الجبهة الداخليّة" المتماسكة أقرب إلى مطلب رسميّ. فالإخلاء والمساعدات والعودة أعادت ترتيب الفوارق بين البلدات، وأنتجت خلافات لا تمحوها وحدة الخطاب الأمنيّ.ويزداد اختزال الشمال وضوحًا حين تغيب عنه بلداته الفلسطينيّة. ففي آذار 2026، طالب مركز "عدالة"، استنادًا إلى بيانات رسميّة، بمعالجة النقص الحادّ في الملاجئ العامّة في البلدات العربيّة، محذّرًا من استمرار التمييز في توزيع وسائل الحماية.

هنا تتّخذ العلاقة بالدولة مضمونًا مختلفًا: تفاوت في الحماية والحقوق، يتجاوز الخلاف على كفاءة إدارة الحرب. ولهذا لا تنتج الجغرافيا المشتركة موقفًا سياسيًّا واحدًا، ولا تكفي عبارة "سكّان الشمال" لتغطية الانقسامات التي تحتويها.

الإعمار أمام الكاميرا

في الأسبوع الأخير من الحملة، قدّم ظهور رئيس بلديّة كريات شمونة أفيحاي شتيرن مع نتنياهو صورةً عن محاولة استعادة العلاقة بالشمال. ووفق "واينت"، أثار إعلان شتيرن ثقته برئيس الحكومة، بعد انتقاداته له خلال الحرب، جدلًا دفع مقرّبيه إلى توضيح أنّه لم يدعُ صراحةً إلى التصويت لليكود. تتقاطع في المشهد حاجة البلديّة إلى دعم الحكومة، وحاجة نتنياهو إلى إظهار أنّ القطيعة قابلة للترميم. يحصل الأخير على صورة شراكة، فيما يُطالَب المسؤول المحلّي بشرح موقفه أمام جمهور ينتظر نتائج ملموسة. 

ويمنح هذا التفاوت السلطة المركزيّة أفضليةً انتخابيّة: تعرض بدء معالجة الأضرار كأنه إنجاز، وتستعيد موقع الجهة الّتي تمنح الموارد، بعد أن كانت موضع اتّهام بالتقصير. يصبح الإعمار، بذلك، جزءًا من الحملة التي يُفترض أنّها تحاسب الحكومة على حصيلة الحرب.

ذاكرة الشريط المحتلّ

على الجانب اللبنانيّ، يستدعي الحديث عن بقاء عسكريّ مشروط بـ"الأمن" تجربةً سبق أن امتدّت سنوات. فبعد اجتياح 1982، انسحبت إسرائيل عام 1985 من معظم المناطق التي احتلّتها، وأبقت شريطًا في الجنوب سمّته "المنطقة الأمنيّة"، إلى أن انسحبت في أيار 2000. وقدّمت الترتيب بوصفه وسيلة لحماية شمالها. وتختزل التسمية العلاقة التي أقامها الاحتلال مع الأرض اللبنانيّة: تعريفها من خلال وظيفتها في الحساب الإسرائيليّ. 

مع ذلك، عرف النقاش الإسرائيليّ قبيل عام 2000 تحوّلًا تحت ضغط الخسائر والاحتجاجات والشكّ المتزايد في جدوى الاحتلال، إلى جانب تعهّد إيهود باراك الانتخابيّ بالانسحاب.الفارق الذي تكشفه المقارنة هو موقع الخروج من لبنان في المنافسة السياسيّة. آنذاك، أصبح الانسحاب وعدًا انتخابيًّا. أمّا في التغطيات الراهنة التي تتناول الشمال، فيتقدّم الخلاف على قدرة القيادة على فرض شروطها، وتبقى نهاية الانتشار العسكريّ أقلّ وضوحًا من مبرّرات استمراره.

حكومةٌ أخرى، احتلالٌ مستمرّ؟

في هذا الموضع، تتقاطع القراءة مع تحذير ألكسندر لانغلوا في "ناشيونال إنترست"، من تكريس احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان واحتمال اتّساعه بعد الانتخابات. ويرى أنّ تشدّد أحزاب رئيسيّة في المعارضة يجعل تغيير الحكومة ضمانة غير كافية لتغيير السياسة، فيما تحتفظ إسرائيل بقدرة التحكّم بتوقيت الانسحاب وتقييم كفاية إجراءات نزع السلاح، في غياب ضغط أميركيّ جدّي.

تضيء هذه القراءة احتمال أن يستقرّ الاحتلال فيما يتواصل التنافس على إدارته. وعندها يصبح الانسحاب نتيجةً مؤجّلة لشروط تضعها إسرائيل وتحكم على استيفائها، بدل أن يكون التزامًا يقيّدها. كما يشير لانغلوا إلى أنّ استمرار الاحتلال يمنح حزب الله مبرّرًا للتمسّك بسلاحه.  تتغذّى الحجّتان، في هذه الحلقة، من استمرار الواقع نفسه: تحتجّ إسرائيل بالسلاح لتبرير بقائها، ويحتجّ الحزب بالاحتلال لتبرير استمراره المسلّح، فيما تتعطّل قدرة الدولة اللبنانيّة على استعادة سلطتها.

هكذا، تحمل انتخابات الشمال أكثر من احتمال لخسارة نتنياهو، وأقلّ ممّا قد توحي به تلك الخسارة من احتمالات إنهاء الاحتلال. فقد ينتقل الغضب إلى شركائه، أو يمنح خصومه تفويضًا أشدّ في مواجهة لبنان. ومن المنزل الذي استُخدم للاقتراع في زوطر الشرقيّة، تبدو المسألة أقلّ تجريدًا: قد تتبدّل الحكومة التي يختارها الجنود، ويبقى وجودهم على الأرض اللبنانيّة خارج نطاق هذا التبدّل.