"فاتف" تُمدّد إقامة لبنان على اللائحة الرمادية: ثغرات تطيل أمد المراقبة

يترقب لبنان القرار النهائي لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF) الذي يُنتظر صدوره اليوم الجمعة في ختام الاجتماعات العامة المنعقدة بين 15 و19 حزيران، وسط مؤشرات قوية إلى استمرار إدراجه على اللائحة الرمادية للدول الخاضعة لمراقبة معززة في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

وبحسب معلومات متقاطعة من أوساط متابعة للاجتماعات في باريس، فإن التوجه السائد داخل المجموعة لا يقتصر على الإبقاء على لبنان على اللائحة الرمادية، بل يشمل أيضا عدم فتح ملفه لإعادة تقييم جديدة قبل نهاية عام 2026، على أن يبقى خاضعا للمراقبة المعززة حتى موعد المراجعة المقبلة المتوقع في تشرين الأول من العام عينه.

ويأتي ذلك خلافا لتوقعات سادت خلال الأشهر الماضية بإمكان تسريع النظر في الملف اللبناني وإعادة طرحه على جدول الأعمال في وقت أقرب. ويشارك لبنان في الاجتماعات بوفد يضم ممثلين عن هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان ووزارة المال، في محاولة لإبراز الخطوات التي اتخذتها السلطات خلال الفترة الماضية لتعزيز الامتثال للمعايير الدولية. ورغم أن الأنظار تتجه إلى القرار المرتقب، فإن أهمية هذا الاستحقاق تتجاوز مسألة البقاء على اللائحة الرمادية أو الخروج منها.

فالتقييم الذي تجريه المجموعة بات يشكل مؤشرا على قدرة الدولة اللبنانية على استعادة الثقة بمؤسساتها المالية والقضائية والرقابية بعد أكثر من 6 سنوات على الانهيار الاقتصادي، وعلى مدى نجاحها في الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها البنيوية.

وتشير المعطيات المتداولة في الأوساط المالية الدولية إلى أن استمرار إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لا يرتبط بأداء القطاع المصرفي وحده، بل بملفات أوسع تتصل بفعالية مؤسسات الدولة، وسرعة الإجراءات القضائية، والرقابة على القطاعات غير المصرفية، وقدرة السلطات على تطبيق القوانين ومكافحة اقتصاد الظل وتمويل الإرهاب

تقدم مصرفي... وثغرات خارج القطاع المالي

 وفق المعلومات، حقق مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة خلال الفترة الماضية تقدما في عدد من المعايير المطلوبة دوليا. فقد شُددت الرقابة على المصارف وشركات تحويل الأموال والصرافين، كما صدرت تعاميم هدفت إلى الحد من الاقتصاد النقدي وتشجيع وسائل الدفع الإلكترونية، بالتوازي مع توسع استخدام الشيكات والتحويلات المصرفية في جزء من العمليات المالية للدولة وتزايد الاعتماد على البطاقات المصرفية. وانعكس هذا التقدم إيجابا على نظرة المصارف المراسلة والمؤسسات المالية الدولية إلى القطاع المصرفي اللبناني، الذي لا يزال يحافظ على مستوى من الامتثال للمعايير المطلوبة رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد. إلا أن هذا الأداء لا يكفي وحده لتحسين تصنيف لبنان، لأن التقييم الدولي يشمل منظومة الدولة بأكملها، وليس المؤسسات المالية فحسب.

أين تكمن نقاط الضعف؟
تكشف المراجعات الدولية أن مكامن الخلل الأساسية تتركز في قطاعات تقع خارج الإطار المصرفي المباشر، مثل تجارة العقارات والذهب، وآليات التحقق من مصادر الأموال المستخدمة في العمليات المالية، إضافة إلى الحاجة إلى تعزيز دور الكتّاب العدل، وتطوير بعض التشريعات، وتسريع الإجراءات القضائية، ورفع فعالية تنفيذ الأحكام.

ويبرز ملف "القرض الحسن" كأحد المؤشرات التي تستند إليها الجهات الدولية في تقييم مدى قدرة الدولة على تطبيق القوانين على جميع الجهات العاملة على الأراضي اللبنانية. فالمسألة، من منظور المؤسسات الدولية، لا ترتبط بحجم المؤسسة أو طبيعة نشاطها بقدر ما تعكس قدرة الدولة على فرض الأطر القانونية والتنظيمية وإنفاذها من دون استثناءات.

كما يكتسب ملف مكافحة تمويل الإرهاب أهمية متزايدة في التقييمات الدولية، بعدما انتقل التركيز العالمي خلال السنوات الأخيرة من مكافحة تبييض الأموال فقط إلى التشدد في مراقبة مصادر التمويل والشبكات المرتبطة بالأنشطة المصنفة عالية المخاطر.

استقرار نقدي... لا تعاف اقتصادي
تنسجم هذه المعطيات مع قراءة الباحث المقيم في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، محمد فحيلي، الذي يرى أن مصرف لبنان نجح منذ عام 2023 في تحقيق قدر من الاستقرار النسبي في سعر الصرف، ما ساهم في الحد من التضخم وإعادة جزء من القدرة على التخطيط لدى الأسر والمؤسسات.
إلا أن هذا الاستقرار، بحسب فحيلي، لا يستند إلى تعافٍ اقتصادي فعلي أو إصلاحات بنيوية، بل إلى عوامل ظرفية أبرزها الانكماش الاقتصادي، وتراجع حجم الائتمان، واتساع الاقتصاد النقدي، واستمرار تدفقات العملات الأجنبية من الخارج.

ويعتبر أن مصرف لبنان تمكن من إدارة السيولة والحد من التقلبات الحادة في السوق، لكنه لم يعالج الأسباب الأساسية التي أدت إلى الانهيار، وفي مقدمتها الفجوة المالية الضخمة، وتعليق مصير الودائع، وعجز القطاع المصرفي عن استعادة دوره الطبيعي في تمويل الاقتصاد. لذلك، يبدو الاستقرار النقدي الحالي أقرب إلى «هدنة مالية» منه إلى مسار تعافٍ مستدام.

ويصف فحيلي واقع القطاع المصرفي اللبناني بأنه يعيش مفارقة واضحة، إذ لا تزال المصارف قائمة من الناحية القانونية، لكنها فقدت جانبا كبيرا من وظائفها الاقتصادية الأساسية. فالمصارف لم تعد تؤدي دورها التقليدي في جمع المدخرات وتوظيفها عبر القروض والاستثمارات، فيما تستمر أزمة الثقة بين المودعين والقطاع المصرفي في غياب خطة واضحة لإعادة الهيكلة ومعالجة الخسائر.

ومن هنا، لم تعد قضية الودائع مجرد ملف اجتماعي أو سياسي، بل أصبحت شرطا أساسيا لإعادة بناء قطاع مصرفي قابل للحياة. فاستمرار تعليق الحلول يهدد بتحويل ما تبقى من القطاع إلى مجرد إطار قانوني يفتقر إلى مقومات العمل المصرفي الفعلي.

اقتصاد الظل: نتيجة لا سبب

ومن بين أبرز التحولات التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة التوسع الكبير لاقتصاد الظل، الذي نشأ بداية كآلية سمحت للأفراد والشركات بالاستمرار في العمل بعد انهيار الثقة بالقطاع المصرفي.

فالاعتماد المتزايد على النقد الورقي وظهور شبكات تسويات وتمويل خارج النظام المصرفي التقليدي ساهما في إبقاء أجزاء واسعة من الاقتصاد على قيد الحياة، لكنهما في المقابل أضعفا مستويات الشفافية والرقابة والجباية الضريبية.

ويرى فحيلي أن اقتصاد الظل ليس سبب الأزمة بل نتيجة مباشرة لفقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها، ما يعني أن الحد منه لا يتحقق عبر الإجراءات القسرية وحدها، بل من خلال استعادة الثقة بالمصارف والقضاء والإدارة العامة والسياسة النقدية.

الرسالة الدولية: الإصلاح أوسع من الامتثال

في جوهره، لا يقتصر تقييم مجموعة العمل المالي على قياس مدى الالتزام التقني بمعايير مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بل يشكل حكما على فعالية الدولة ومؤسساتها وقدرتها على فرض القوانين وتطبيق الإصلاحات.

لذلك، حتى لو تمكن لبنان من تسجيل تقدم في عدد من المؤشرات النقدية والمصرفية، فإن الخروج من اللائحة الرمادية سيبقى مرتبطا بإصلاحات أوسع تشمل القضاء والتشريع والرقابة والحوكمة، إضافة إلى معالجة عادلة وشفافة لأزمة الودائع وتقليص حجم الاقتصاد الموازي.