المصدر: eremnews
الجمعة 17 تموز 2026 14:09:10
لم يعد الحصار البحري الأميركي على إيران مجرد أداة للضغط الاقتصادي، بل تحول إلى عامل مؤثر في أسواق الطاقة والمال العالمية، مع تصاعد المخاوف من اضطرابات في إمدادات النفط إذا استمرت الأزمة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم.
ومع دخول الحصار حيز التنفيذ مجددًا في 14 يوليو/تموز 2026، ليشمل جميع السواحل والموانئ ومحطات تصدير النفط الإيرانية، إضافة إلى السفن المتجهة إلى إيران بغض النظر عن جنسيتها، اتسعت تداعيات الأزمة لتشمل الاقتصاد الإيراني وأسواق النفط والذهب والدولار، وسط ترقب للسيناريوهات المحتملة، بحسب "وول ستريت جورنال".
الاقتصاد الإيراني تحت ضغط متزايد
يمثل الحصار ضربة مباشرة للاقتصاد الإيراني الذي يعتمد بصورة كبيرة على التجارة البحرية، إذ تمر أكثر من 90% من تجارة البلاد الخارجية عبر الموانئ.
وتُقدّر الإيرادات التجارية السنوية المرتبطة بالممرات البحرية بنحو 110 مليارات دولار، ما يجعل أي تعطيل للملاحة ينعكس سريعًا على الاقتصاد.
وتشير تقديرات نقلتها صحيفة "وول ستريت جورنال" عن خبراء في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والخبير السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (أوفاك) مياد مالكي، إلى أن الخسائر المباشرة قد تصل إلى نحو 435 مليون دولار يوميًا، أي ما يقارب 13 مليار دولار شهريًا.
وتتوزع هذه الخسائر على نحو 135 إلى 139 مليون دولار يوميًا من صادرات النفط الخام، التي ينطلق نحو 90 إلى 92% منها من جزيرة خرج، إضافة إلى نحو 90 مليون دولار من صادرات البتروكيماويات والأسمدة مثل الميثانول واليوريا والإيثيلين.
أما الجزء المتبقي، والمقدر بنحو 159 مليون دولار يوميًا، فيرتبط بتعطل الواردات الأساسية، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري، إلى جانب الضغوط التي يتعرض لها الريال الإيراني.
وتذهب بعض التقديرات إلى أن إجمالي الخسائر قد يرتفع إلى نحو 480 مليون دولار يوميًا إذا احتُسبت الآثار غير المباشرة، مثل تعطل سداد الالتزامات المالية المحلية والضغط على القطاع المصرفي.
كما يُتوقع أن يؤدي توقف واردات المواد الخام والسلع الوسيطة إلى إبطاء الإنتاج الصناعي في عدد من القطاعات، بالتزامن مع ضغوط إضافية على العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم نتيجة تراجع تدفقات النقد الأجنبي.
نقطة ارتكاز التجارة العالمية
يبقى مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط البحرية العالمية.
لكن البيانات تشير إلى تراجع متوسط تدفقات النفط عبر المضيق من 20.1 مليون برميل يوميًا في الربع الأول من عام 2025 إلى 14.6 مليون برميل يوميًا خلال الفترة نفسها من عام 2026، في ظل تصاعد التوترات الأمنية.
ومع إعادة فرض الحصار، أعلنت الولايات المتحدة أن الإجراءات تشمل جميع الموانئ الإيرانية والسفن المتجهة إليها، مع استثناء السفن المحايدة المتجهة إلى وجهات غير إيرانية.
وأفادت تقارير بأن البحرية الأمريكية غيّرت مسار عدد من السفن التجارية، كما عطلت أخرى بعد عدم امتثالها لتعليمات الحصار.
وفي المقابل، لوّحت إيران بإمكانية توسيع التصعيد، عبر التهديد باستهداف ممرات تصدير أخرى تعتمد عليها دول الخليج، في مقدمتها مضيق باب المندب، مع مؤشرات على تجهيز سفن لمحاولة كسر الحصار.
وتزامن ذلك مع تبادل رسائل سياسية بين الطرفين، إذ تؤكد واشنطن أن مضيق هرمز سيظل مفتوحًا أمام الملاحة الدولية، بينما تصر طهران على أنها صاحبة الدور الرئيس في حماية المضيق والسيطرة على أمنه.
أسواق النفط تواجه تقلبات حادة
انعكست التطورات العسكرية مباشرة على أسعار النفط العالمية، إذ شهد خام برنت خلال يونيو/حزيران الماضي تقلبات واسعة تراوحت بين 73.74 و94.25 دولارًا للبرميل، متأثرًا بمسار المفاوضات والتوترات بين واشنطن وطهران.
ومع إعادة فرض الحصار في منتصف يوليو، ارتفع سعر خام برنت بنحو 10% في جلسة واحدة ليصل إلى حوالي 83.30 دولار للبرميل، وهو أكبر ارتفاع يومي منذ أبريل، قبل أن يواصل مكاسبه ويبلغ نحو 84.73 دولار للبرميل في 16 يوليو، وهو أعلى مستوى منذ 12 يونيو.
ويرى خبراء أن استمرار تعطّل الملاحة في المضيق، حتى دون إغلاقه الكامل، قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع بسبب المخاوف من نقص الإمدادات، في حين أن الإغلاق الكامل يبقى السيناريو الأعلى كلفة لجميع الأطراف.
كما تحذر مؤسسات مالية من أن استمرار الحرب واضطراب الإمدادات قد يؤديان إلى إبقاء معدلات التضخم العالمية مرتفعة، وهو ما قد يؤخر خطط البنوك المركزية لخفض أسعار الفائدة.
الذهب والدولار يستفيدان من التوتر
في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية، يواصل الذهب جذب المستثمرين بوصفه أحد أبرز الملاذات الآمنة، بينما يستفيد الدولار أيضًا من زيادة الطلب عليه خلال فترات عدم اليقين.
ويؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي، ما يضيف تحديات جديدة أمام البنوك المركزية في إدارة السياسة النقدية.
وتشير تحركات الأسواق إلى أن أسعار النفط والذهب وقوة الدولار أصبحت مرتبطة بصورة وثيقة بمسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، إذ يؤدي أي تصعيد عسكري أو تقدم دبلوماسي إلى تحركات فورية في هذه الأسواق.
سيناريوهان لمستقبل الأزمة
يرى محللون أن تطورات الأزمة تتوقف على مسار الملاحة في مضيق هرمز.
فالسيناريو الأول يتمثل في إعادة فتح المضيق سريعًا، وهو ما قد يؤدي إلى انحسار الضغوط على أسواق الطاقة وتراجع تدريجي في الأسعار، مع انخفاض الطلب على الملاذات الآمنة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار تعطل الملاحة والحصار، وهو ما قد يفضي إلى أزمة إمدادات فعلية، وارتفاع أكبر في أسعار النفط، وتعميق الخسائر الاقتصادية لإيران، إلى جانب زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي.