المصدر: نداء الوطن

The official website of the Kataeb Party leader
الاثنين 9 آذار 2026 06:15:31
في ظلّ التطورات الأمنية الخطيرة التي يشهدها جنوب لبنان، ومع تصاعد المخاوف من احتمال توسّع المواجهات إلى تدخل بري إسرائيلي واسع، يتزايد القلق في أوساط أبناء القرى الحدودية من تداعيات العمليات العسكرية التي ينفذها "حزب الله" انطلاقًا من الجنوب.
وبعد نحو أسبوع على بدء المواجهات ودخول "حزب الله" الحرب لمساندة إيران، يبرز في أوساط الأهالي والفاعليات المحلية تساؤل أساسي حول جدوى هذه الحرب: ماذا حقق "الحزب" من دخوله مجددًا في هذه المواجهة؟ وهل حققت هذه العمليات أي مكسب فعلي للبنان، أم أنها زادت من حجم الخسائر التي يدفع ثمنها الجنوب وأبناؤه؟
وبحسب الوقائع الميدانية، جاءت الردود الإسرائيلية عبر غارات مكثفة وقصف واسع النطاق استهدف البلدات الجنوبية والضاحية الجنوبية لبيروت وصولًا إلى البقاع، ما أدى إلى تدمير منازل وممتلكات خاصة، وسقوط مئات الضحايا بين شهداء وجرحى، إضافة إلى موجات نزوح كبيرة من المدن والبلدات اللبنانية.
وفي ظل هذه المعطيات، يقارن أبناء المنطقة بين العمليات العسكرية التي يقوم بها "الحزب" والنتائج على الأرض، حيث يطرح كثيرون تساؤلات حول جدوى هذه المواجهة، معتبرين أن الأضرار التي لحقت بالمدنيين وبالقرى الجنوبية تفوق بكثير أي نتائج عسكرية معلنة.
ويذهب بعض الأهالي إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن هذه المواجهة لا تخدم المصلحة اللبنانية، بل تأتي في سياق صراعات إقليمية أوسع، حيث يجد لبنان نفسه مرة جديدة يدفع ثمن صراع يتجاوز حدوده وإمكاناته.
وفي هذا الإطار، أجرت جريدة "نداء الوطن" استطلاعًا لآراء عدد من الفاعليات الروحية والاجتماعية في منطقة مرجعيون، التي أجمعت على الدعوة إلى وقف هذه الحرب التي وصفها بعضهم بالعبثية، لما تسببه من دمار إضافي للقرى الجنوبية واللبنانية وتهديد مباشر لمصالح الأهالي وأرزاقهم.
وفي هذا السياق، اعتبر رئيس اللجنة الثقافية لطائفة الموحدين الدروز الشيخ وسام سليقا أن الحرب الدائرة اليوم تمثل "انتصار الجهل على العلم والخوف على الطمأنينة والموت على الحياة والظلم على العدل"، معتبرًا أن الشعب اللبناني يشبه سفينة تتلاطمها أمواج الصراعات الإقليمية والاستعمارية التي تسعى إلى ضرب استقراره وهويته.
ودعا سليقا أبناء المنطقة إلى التمسك بأرضهم والبقاء في قراهم وعدم مغادرتها، والحفاظ على الوحدة الداخلية ومساندة العائلات التي تعاني الألم وفقدان الأحبة. وأضاف: "قوتنا في وحدتنا، والهوية اللبنانية تجمعنا، والجيش اللبناني والقوى الأمنية يبقيان الملجأ الحقيقي الذي نلجأ إليه مهما بلغت الصعوبات"، معربًا عن أمله في أن تنتهي هذه الحرب في أقرب وقت.
من جهته شدد مفتي مرجعيون وحاصبيا القاضي الشيخ حسن دلي على أن لبنان يجب أن يبقى الأولوية عند كل مواطن، مؤكدًا أن الوطن لا يكون وطنًا حقيقيًا إلا عندما يلتف أبناؤه حول حمايته وصون كرامة الإنسان فيه.
وقال إن المشهد المؤلم اليوم، حيث يُهجّر المواطنون من منازلهم ويُجبرون على النزوح حفاظًا على حياة الأطفال والنساء والشيوخ، يعكس حجم المأساة التي لحقت بالبشر قبل الحجر، لافتًا إلى أن هذه الحرب أوقعت القتل والدمار من دون أي ذنب اقترفه المدنيون.
وأضاف أن الابتعاد عن الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية أوصل البلاد إلى هذا الواقع، داعيًا إلى إعادة تسليم قرار السلم والحرب إلى الجيش اللبناني باعتباره الضمانة الحقيقية لحماية الوطن وصون حدوده.
بدوره اعتبر خادم رعية القليعة المارونية الخوري بيار الراعي أن ما يجري اليوم يشكّل حلقة جديدة من الأزمات التي يعيشها لبنان نتيجة سلاح "حزب الله" غير الشرعي، مشيرًا إلى أن البلاد تُدفع في كل مرة إلى مغامرات عسكرية جديدة.
ولفت إلى أن الإيجابي في هذه المرحلة هو أن الحكومة وضعت "إصبعها على الجرح"، عندما أكدت أن أي عمل عسكري أو سياسي خارج إطار الدولة يُعدّ عملًا غير قانوني وخارجًا عن الشرعية.
وأوضح أن المرحلة الحالية قد تكون صعبة وربما لا تقل تعقيدًا عن المرحلة السابقة التي استمرت نحو ستة وستين يومًا، مشيرًا إلى أن الصورة الميدانية لا تزال غير واضحة بالكامل. وأكد أن أهالي بلدة القليعة يعيشون حاليًا حالة ترقب ومتابعة مستمرة للتطورات، في ظل استقرار نسبي للوضع حتى الآن.
ودعا متروبوليت صيدا وصور ومرجعيون للروم الأرثوذكس المطران الياس كفوري، إلى اعتماد طريق التفاوض والدبلوماسية لمعالجة التصعيد، مشددًا على ضرورة تطبيق القرار الدولي1701 والاحتكام إلى قرارات الأمم المتحدة باعتبارها الطريق الأسلم لتجنيب لبنان مزيدًا من الحروب.
وأكد كفوري أن ما يجري "لم يعد يُحتمل"، في ظل ما يعانيه الأهالي من تعب وتشرد واستباحة طالت المدنيين والمؤسسات، داعيًا إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات.
كما شدد على ضرورة إطلاق ورشة جدية لإعادة الإعمار، لافتًا إلى أن آلاف العائلات التي نزحت من قراها تحتاج إلى العودة سريعًا إلى منازلها وأراضيها، مؤكدًا أن الجنوب "أرض لها أصحاب وتاريخ وحضارة ولا يجوز أن يُهجّر أهلها منها".
وختم داعيًا المسؤولين في الدولة إلى تكثيف الجهود لإعادة إطلاق مسار التفاوض، مشيدًا بدور رئيس مجلس النواب نبيه بري آملًا أن تثمر هذه المساعي قريبًا عن وقف القتال وعودة السلام في أسرع وقت ممكن.
رئيس بلدية دير ميماس سهيل أبو جمرة قال: "نحنا أخذنا قرار (الأهالي والبلدية) البقاء بالضيعة رغم كل الأخطار وصعوبة الوضع مش تحدي لحدا ولكن لأننا متمسكين بهويتنا وتاريخنا وأكيد بمشروع الدولة الشرعية وجيشها الوطني متل كل القرى الحدودية التي أخذت هيدا القرار أيضًا".
وتمنى أبو جمرة "أن تكون الحلول قريبة ولوقتها أكيد الدولة وأجهزتها ما لازم تتخلى عن واجباتها بحماية ورعاية أهالي القرى الحدودية الصامدين".
واعتبر رئيس بلدية القليعة حنا ضاهر أن أبناء المنطقة ليس لهم رأي في هذه الحرب لأنها فرضت عليهم، مشيرًا إلى أن كثيرين يرونها حربًا غير متكافئة يدفع ثمنها المدنيون قبل غيرهم. ويضيف أن ما خسره الأهالي حتى الآن كبير: أرزاق ضاعت، منازل تضرّرت أو دُمّرت، وقرى باتت شبه خالية بعدما اضطرّ قسم كبير من سكانها إلى النزوح.
وأضاف ضاهر رغم أن بعض البيوت لا تزال قائمة، إلا أنها لم تعد صالحة للسكن بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بها من تحطّم الزجاج وتصدّع الجدران وتضرّر البنى الداخلية. ومع ذلك، يؤكد الأهالي بقاءهم في قراهم وهم متمسكون بأرضهم ويرفضون تركها مهما اشتدت الظروف.
المشهد الأكثر قسوة، بحسب الأهالي، هو ما يعيشه الأطفال ليلًا، إذ يستيقظون مذعورين على أصوات الانفجارات، ويقضون ساعات طويلة في القلق والخوف، في صورة تعكس حجم الضغط النفسي الذي يعيشه السكان يوميًا.
ويطرح أبناء المنطقة سؤالًا واضحًا: إلى متى يمكن للناس أن تتحمّل؟ فبرأيهم، القدرة على الصمود لم تعد كما كانت، رغم إصرار كثيرين على البقاء في أرضهم وعدم مغادرتها.
ويختم الأهالي مناشدتهم بضرورة وقف الحرب في أسرع وقت ممكن، مؤكدين أن ما يحتاجه الناس اليوم هو الأمان والاستقرار، بعدما أنهكتهم الخسائر وتبدّلت حياتهم بالكامل، آملين أن يسود العقل وأن تنتهي هذه الحرب التي أثقلت كاهلهم وأثرت في مستقبل أبنائهم.
وأكدت هذه الفاعليات أن أبناء الجنوب الذين عانوا طوال عقود من الحروب المتكررة لم يعودوا قادرين على تحمّل المزيد من الدمار والنزوح والخسائر البشرية والمادية، مشددين على ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المنطقة والعمل على حماية ما تبقى من استقرار في البلاد.