المصدر: المدن
الكاتب: خضر حسان
الثلاثاء 17 شباط 2026 01:02:01
في أجواء ضبابية لفّت مصير زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين في القطاع العام، انطلقت جلسة مجلس الوزراء التي حملت بين بنودها الثلاثين المدرجة في جدول أعمالها، اقتراحات وزارة المالية المتعلّقة بتصحيح رواتب وأجور القطاع العام، في ضوء التحديات الاقتصادية والمالية القائمة، إلى جانب طلب الموافقة على مشروع مرسوم يرمي إلى إعطاء منحة مالية شهرية للعسكريين العاملين في الخدمة الفعلية والمتقاعدين المستفيدين من معاش تقاعدي، في خطوة تهدف إلى تحسين أوضاعهم المعيشية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي في المؤسسات العسكرية.
التأويلات الكثيرة سبقت الجلسة. إذ لم تحسم الحكومة سابقاً ما ستقدّمه لموظّفي القطاع العام والمتقاعدين. وبين زيادات تتراوح بين 4 إلى 6 رواتب، وبين إعطاء الزيادات ببطاقات ائتمانية مخصّصة للشراء والدفع الالكتروني، وبين مطالب بإعادة الرواتب إلى ما كانت عليه قبل العام 2019، وبالتالي إعطاء 17 راتباً في المرحلة الأولى وتقسيط الباقي، انتظر موظّفو القطاع العام ومتقاعدوه نهاية الجلسة، وفي جعبتهم خيار التصعيد، يقيناً منهم أنّ ما سيرشح عن الجلسة، أمر سلبي.
زيادة تدريجية
تحت شعار الزيادة التدريجية، أقرّ مجلس الوزراء زيادة 6 رواتب، وهو ما رفضه الموظفون والمتقاعدون، معتبرين أنّ مسألة الرواتب لا تُحَلّ بزيادة طفيفة من هنا أو هناك. وأوضح عضو الهيئة الإدارية لرابطة موظفي الإدارة العامة، إبراهيم نحّال أنّ "الرواتب الستّة غير كافية، فالمسألة ليست زيادة 100 دولار على الراتب، أو أكثر أو أقل، بل هي مسألة كرامة وحياة الموظّف والمتقاعد، ومسألة مستقبل الوظيفة العامة". واستنكر نحّال التسويف الذي تمارسه السلطة السياسية تجاه حقوق الموظّفين والمتقاعدين من خلال التذرّع بمزيد من الدراسات المتعلّقة بالزيادة.
وأكّد نحّال في حديث لـ"المدن" أنّ "الرواتب الستة تعني أنّ الموظّفين باتوا يحصلون على 19 راتباً أي استعادوا 35 بالمئة من الراتب الذي كانوا يحصلون عليه حتى العام 2019. فيما المطلوب البدء بـ50 بالمئة". وأشار إلى التمسّك بـ"استمرار دفع بدل المثابرة وبدل البنزين لفترة معيّنة، لحين استعادة الرواتب كما كانت. علماً أنّ على كل هذه التقديمات الدخول في أساس الراتب من أجل الاستفادة منها في المعاش التقاعدي الذي سيفقد جزءاً من قيمته مع الحسومات المفروضة في التعديل المقترح من مجلس الخدمة المدنية، ومنه رفع الحسومات من المعاش من 6 إلى 8 بالمئة، وخفض الراتب التقاعدي من 85 إلى 70 بالمئة".
البحث عن التمويل
مصادر تمويل زيادة الرواتب كان التحدّي الأبرز أمام الحكومة. على أنّ الوزراء خلصوا إلى زيادة أسعار البنزين بمعدّل 300 ألف ليرة لكل صفيحة، وزيادة الضريبة على القيمة المضافة TVA بنسبة 1 بالمئة. ومع ذلك، أكّد وزير الإعلام بول مرقص أنّ "الزيادة على الرواتب هي بمثابة تعويض شهري على أساس الراتب ولا تدخل في أساس صلب الراتب". وترجمة ذلك، أنّ هذه الزيادة لن تحتسب في المعاش التقاعدي للموظفين.
ولإضفاء صبغة إصلاحية على القرار، أوضح مرقص أنّه "لسدّ كلفة رفع الرواتب بطريقة مدروسة، أكّد مجلس الوزراء على قراراته السابقة بالتدقيق بأموال الدعم وتحسين الجباية والنظر في الأملاك البحرية وتشديد الرقابة على المعابر". أي أنّ المصادر الأساسية لتمويل الزيادة، ستأتي من هذه المشارب.
وأشار مرقص إلى أنّه "تلافياً لحدوث خلل إضافي اقتصادي أو نقدي تقرّر أن تدفع هذه الرواتب الإضافية بعد صدور قانون زيادة الضريبة على القيمة المضافة وقانون فتح الاعتمادات الإضافية اللازمة، إذ إن كلفة الزيادة تبلغ 800 مليون دولار". كما أنّ تلك الزيادة "ستعطى بعد إقرار القوانين في المجلس النيابي وليس قبلها".
واعتبر نحّال أنّ مجلس الوزراء في هذه الحالة "يضع الناس في وجه الموظّفين والمتقاعدين من خلال تمويل زيادة الرواتب من رفع أسعار المحروقات وزيادة الضرائب. في حين أنّ هناك أبواباً أخرى لتأمين التمويل، وأهمّها استعادة أرباح سندات الخزينة والهندسات المالية ومستحقات الدولة المنهوبة من الأملاك العامة البحرية والنهرية، فضلاً عن المقالع والكسّارات". أمّا ربط إقرار الزيادة "بإقرار القوانين في مجلس النواب، فيعني المزيد من التسويف والمماطلة، وانتظار اتخاذ القرار من المجلس النيابي عوض ان تصدر الزيادة بمرسوم من مجلس الوزراء".
وبالتوازي، رأت "روابط التعليم الرسمي"، في بيان، أنّه "بعد النضال الطويل للأساتذة والمعلمين استمعنا إلى مقررات مجلس الوزراء، والتي أقرت 6 أضعاف، وهي ليست بحجم تطلعاتنا ولا تصل إلى تحقيق مطالبنا. كما ونرفض تحميل الشعب اللبناني كلفة هذه الزيادة إن كانت الزيادة على البنزين أو رفع الضريبة على القيمة المضافة. وسوف تلتقي الروابط لتحديد خطوات المرحلة المقبلة، وتبقي كافة الخيارات مفتوحة".
وأيضاً، أكّدت مصادر من بين العسكريين المتقاعدين في حديث لـ"المدن"، أنّ اجتماعاً سوف يحصل "اليوم الثلاثاء، وستُتّخذ فيه القرارات المناسبة". وأشارت المصادر إلى أنّ الزيادة التي أقرّت "غير مناسبة".
ترحيل الأزمات
بقراره الإفراج عن زيادة مجتزأة للرواتب وتدفيع الناس ثمنها بزيادة أسعار ستمتصّ قيمة الرواتب الإضافية، يُرحِّل مجلس الوزراء الأزمة إلى وقت آخر، ويفتح الباب أمام تكرار الاعتصامات والإضرابات، وهو ما يتجهّز له الموظّفون والمتقاعدون.
وعدم الوصول إلى حلّ جذري، يؤكّد أنّ مسألة الرواتب باتت "مسألة فاضحة" وفق توصيف عضو لجنة المال النائبة نجاة صليبا التي أكّدت في حديث سابق لـ"المدن" أنّه "من المعيب أن تستمرّ هذه المسألة على هذا النحو. وهذه الصيغة من التعامل مع القطاع العام لا تُسمى سوى ترقيع مؤقت، والحلول تبدأ بزيادة الموارد المالية وهيكلة القطاع العام".
انطلاقاً من مقرّرات مجلس الوزراء، تكون وزارة المالية والحكومة قد التزمتا بتعهّد زيادة الرواتب عند "منتصف شهر شباط"، وهو الوعد الذي أُطلِق بداية الشهر الجاري بالتزامن مع اعتصامات الموظفين والمتقاعدين التي واكبت جلسة إقرار موازنة العام 2026 التي لم تتضمّن أي زيادات على الرواتب، ما أثار غضب المعتصمين الذي صعّدوا تحرّكاتهم وصولاً إلى الاشتباك مع القوى الأمنية المولجة ضمان إقفال الطريق المؤدّية إلى مبنى مجلس النواب، ولاحقاً اقتحام العسكريين المتقاعدين مبنى المجلس، والتأكيد على حقّهم بالزيادة.
وعليه، لم تنتهِ مشكلة الرواتب مع الزيادة الآنية التي تُرِكَت بمثابة فخٍّ يؤسّس لأزمة على مستوى البلد ككلّ. وتُرِكَت مهمّة إشعال الأزمة رسمياً، بيد مجلس النواب.