المصدر: النهار
الكاتب: علي حمادة
الجمعة 17 نيسان 2026 08:38:25
فجر يوم أمس كان الحدث في لبنان هو منشور الرئيس دونالد ترامب خلال الليل على منصة "تروث سوشال" وفيه يعلن أن اتصالاً سوف يجري يوم الخميس بين "زعيمي لبنان وإسرائيل" أي بين الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبالطبع نشب سجال على مستوى البلد بين مؤيد ومعارض، والتزم الرئيس عون والدوائر الرئاسية الصمت حيال الموضوع إلى أن وزعت ظهر يوم أمس معلومات تفيد أن الرئيس عون فضل عدم الاتصال بنتنياهو لأسباب أوضح أنه شرحها لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال اتصال الاعتذار عن عدم المشاركة في مكالمة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي. والأسباب معروفة أقلها أن القتال دائر في الجنوب، والمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل لم تنطلق بعد.
برّي يعدّل عقارب الساعة
سبق ذلك إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري عن أنه يجري يومياً اتصالات مع الجانب الإيراني، وأنه تحدث مطولاً صباح يوم أمس مع رئيس البرلمان الإيراني والمفاوض الرئيسي بوجه الأميركيين في محادثات إسلام آباد ونعني محمد باقر قاليباف، إذ طلب منه الرئيس بري إدراج شرط وقف إطلاق النار في لبنان في صلب المحادثات مع الأميركيين! بهذا المعنى كان رئيس مجلس النواب ورئيس حركة "أمل" يعدل في عقارب ساعته عائداً إلى اصطفافه خلف "حزب الله" والنفوذ الإيراني في لبنان.
معلوماتنا تفيد بأن الاتصال بين الرئيس جوزف عون وبنيامين نتنياهو كان يمكن أن يحصل من دون تعقيدات كبيرة لو أن الهجوم الإسرائيلي توقف جنوباً بهدنة وإن موقتة، وانطلقت المفاوضات المباشرة في واشنطن أقله بجلسة أو اثنتين. لكن الواقع الذي يعرفه الأميركيون وحتى الجانب اللبناني يفيد بأن إسرائيل لا تريد هدنة فورية، بل إنها تحاول كسب الوقت لحسم المعركة في مدينة بنت جبيل التي تعتبر أهم المدن جنوب نهر الليطاني، وتحمل رمزية سياسية وعسكرية كبيرة بالنسبة إلى "حزب الله" وسرديته المرتبطة بالقتال ضد إسرائيل.
عنصر الوقت
وكان من المهم أن تكسب إسرائيل الوقت من أجل توسيع نطاق التوغل شمال مدينة الخيام في القطاع الشرقي من الجنوب، إضافة إلى التوغل غرباً عند الساحل نحو محيط مدينة صور التي تعتبر الأهم ديموغرافياً وسياسياً، اقتصادياً وتاريخياً في تلك المنطقة. من هنا رفض إسرائيل تقديم شيء للجانب اللبناني قبل استغلال عنصر الوقت من أجل تحقيق مكاسب على الأرض.
لبنان من ناحيته، ومع وجود شرائح واسعة من اللبنانيين تؤيد عقد صفقة ترعاها الولايات المتحدة مع إسرائيل إما لاتفاقية أمنية طويلة الأمد، أو لسلام يضم لبنان إلى دول عربية أخرى قد تذهب إلى السلام مع إسرائيل في المستقبل المنظور، فإن الانقسام واضح بالنسبة إلى العلاقة مع إسرائيل. لكن ثمة محرمات بدأت تنهار الواحدة تلو الأخرى، ومن بينها التفاوض المباشر، وإمكانية أن يحصل في لحظة مؤاتية اتصال مباشر بين رئيس الجمهورية اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي! وإمكانية أن يوقع لبنان مستقبلاً اتفاقية سلام مع إسرائيل. هذا تحول متدرج لكنه حقيقي.
فشلت محاولة الرئيس ترامب في فتح أول اتصال مباشر بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي. لكن إعلان دونالد ترامب المفاجئ عن الاتصال، واشتعال السجال في الداخل اللبناني حول الموضوع، أنتج حقائق جديدة في اللعبة الداخلية، بدءاً بحجب معظم الاعتراضات على المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. حتى إن جمهور الحزب الذي كان يستشرس في مهاجمة الرئيس جوزف عون الذي أطلق مشاركة لبنان في مفاوضات مباشرة ما كانت لتحصل قبلاً، نسي المفاوضات وانصب غضبه على مشروع الاتصال الهاتفي.
من هنا فإن هذا الأمر سوف يرسخ واقعاً جديداً أساسه أن الفكرة طرحت في "سوق" التداول والمناقشات، والتجاذبات السياسية، والإعلامية، والشعبية. وهذا يعني أن الاتصال بين عون ونتنياهو كاد أن يحصل، والمراقبون يعرفون أن رفض عون المشاركة في الاتصال لم يكن قاطعاً ونهائياً. فالاعتذار عن عدم المشاركة في هكذا اتصال لا يعني أنه لن يحصل في المستقبل إما القريب أو المتوسط. بهذا المعنى فإن مجرد طرح الفكرة والسجال حولها سيعطي فرصة زمنية للبنانيين لكي يعتادوا عليها في المستقبل.
أما الرئيس جوزف عون فإنه يحرم موقتاً الرئيس دونالد ترامب من نصر ديبلوماسي فوري، لكنه سيكون مجبراً على تنفيذ تعهداته على طاولة المفاوضات، لاسيما في ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، أي نزع السلاح من يد "حزب الله" في وقت تريد واشنطن أن يكون قصيراً.
في هذه الأثناء سوف يستمر الميدان ونتائجه في فرض بند جدول الأعمال اللبناني الإسرائيلي وأولوياته. وقد يعزز اعتذار الرئيس اللبناني عن إجراء المكالمة موقعه السياسي الداخلي في لبنان ويجعله أكثر قدرة على المناورة في علاقته مع "حزب الله" وممارسة ضغوط عليه، في وقت ليس ببعيد لإنهاء مغامرة الحروب التي لا تنتهي، ولحسم مصير السلاح غير الشرعي.
ومن هنا قد لا نكون أمام فرصة ضائعة، بل أمام فرصة جديدة ستلوح قريباً بعد إقرار الهدنة الموقتة، ومع ولوج مرحلة مواجهة "حزب الله" بحقائقه المُرة!