فضيحة الأدوية السرطانية... التفاف على المعايير الدولية وأدوية لا تستعمل في إيران ومخاوف من استبدال العيّنات في الخارج

عادت مسألة الأدوية السرطانية والمناعية إلى الواجهة مجدداً، بعد الشكاوى التي ظهرت من قبل عدد من المرضى بشأن جودتها وفاعليتها، وتحرُك مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج للتحقيق فيها، وكذلك وزير الصحة ركان ناصر الدين، الذي يكتفي مقربون منه بعبارة واحدة في هذه المرحلة، منقولة عن الوزير، أنه أحال الأمر إلى النيابة العامة، وسيرفع دعوى قضائية ضد "من يثبت تورطه في تعريض صحة المواطنين للخطر".

موضوع الأدوية السرطانية كشف جانباً آخر مرتبطاً بالقضية، وهو استيراد أدوية إيرانية وهندية وصينية، تتولاه - بحسب ما يُشاع - شركة مملوكة من قبل نجل نقيب صيادلة سابق، مقرّب من حركة أمل، ولديه علاقة قربى بالشيخ نعيم قاسم.

القضاء يتحرّك في موضوع الأدوية السرطانية والنتائج إلى الخارج
بحسب معلومات "النهار"، أرسلت وزارة الصحة العامة عينات من أدوية السرطان "الجنريك"، التي بدأت النيابة العامة التمييزية بمتابعة ملفها، إلى فرنسا أو سويسرا لإخضاعها للفحوص المخبرية، وجاءت نتائج البعض منها مطابقة للمواصفات، فيما لا يزال نوعان قيد الفحص. وأفيدت "النهار" بأن 4 من أصل 6 أدوية تُعنى بمرض السرطان جاءت نتائجها مطابقة.

وأوضح مرجع قضائي لـ"النهار" أن الأدوية "جنريك" وأدخلت إلى لبنان بموجب ترخيص استثنائي من وزراء الصحة المتعاقبين، ويجب أن تكون مطابقة للمواصفات. 

وشرح بأن مصدر هذه الأدوية الهند وإيران؛ وإذا كانت غير مطابقة للمواصفات فهنا تكمن المشكلة، ويجب التحقيق مع الوزراء الذين أعطوا التراخيص، مذكّراً بأن وزير الصحة أعطى منذ 3 سنوات ترخيصاً بصورة استثنائية لإدخالها، وعادة يعطى الترخيص الاستثنائي لمدة قصيرة ومحددة لحين استكمال الملف.

وشدّد المرجع القضائي على أن الترخيص الاستثنائي لا يستقيم في الموضوع الصحي، لأن الدواء قد يكون غير صالح، واستعماله من قبل المرضى قد يؤدي إلى كارثة.

وميّز المرجع القضائي بين الأدوية المزورة والأدوية غير الفعّالة. وكشف عن أن النيابة العامة التمييزية لن تكتفي بعينة واحدة، وسترسل المزيد من العينات للكشف عليها.

استبدال عيّنات بأخرى
لكن الأخطر - وفق الدردشات القضائية - وصف شركات الأدوية بـ"مافيا الدواء"، والشكوك التي تحيط حتى بالنتائج الصادرة عن المختبرات الخارجية، إذ تخوّفت مصادر قضائية من أن يجري استبدال العيّنات المرسلة من لبنان بعيّنات أخرى؛ فما الذي يمنع ذلك، خصوصاً أنّ أمراً كهذا غير مستبعد. ومن يضمن أن تكون العيّنات التي أعيدت وسوف تُعاد إلى لبنان هي العيّنات نفسها التي أرسلها لبنان.

وما يزيد الخطر خطورة المعلومات التي وردت إلى الجهات القضائية، والتي تفيد بأنّ الدولة المصنّعة للأدوية السرطانية، والمقصود هنا إيران، لا تستخدمها على أراضيها، وهذه المشكلة الكبرى.


التفاف وزارة الصحة اللبنانية على المعايير الدولية والمرجعيات الصارمة
هذه التجاوزات ليست جديدة، وفق ما يؤكد دولة نائب رئيس الحكومة ووزير الصحة الأسبق النائب غسان حاصباني لـ"النهار".

ويقول: "إنّ المشكلة الأساسية ليست في عملية شراء الدواء بحدّ ذاتها، بل في آلية تسجيل الدواء داخل وزارة الصحة اللبنانية. فتسجيل أيّ دواء في لبنان يمنحه الصلاحية القانونية التامة للدخول في المناقصات العامة والبيع المباشر في السوق".

ويضيف: "تعمد الوزارة إلى الالتفاف على المعايير الدقيقة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) والجهات المرجعية الدولية الصارمة مثل وكالة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، والوكالة الأوروبية للأدوية (EMA)، والجهات الرقابية في سويسرا، كندا، وأستراليا، والنرويج، وغيرها.

وتقوم الوزارة بابتكار معايير داخلية منخفضة، إذ بدلاً من الالتزام بالاشتراطات المعتمدة عالمياً، يُسمح بإقرار معايير محلية مرنة ومخفّضة تتيح تسجيل أدوية ذات منشأ إيراني، هندي، وصيني من دون خضوعها الكامل للأبحاث والتجارب السريرية اللازمة".


خلط مفاهيم جودة المعمل بجودة الدواء
يوضح حاصباني بأن "استيفاء معمل معيّن لشروط التصنيع المعتمدة  لبعض الأدوية البسيطة (كالباراسيتامول مثلاً) لا يعني تلقائياً أن جميع منتجاته، خصوصاً أدوية السرطان والأدوية البيولوجية البديلة (Bio-similar)، قد استوفت الشروط العالمية. ومع ذلك، تُستغلّ بعض الشهادات الجزئية لمنح غطاء كامل لجميع منتجات المصنع لتسويقها في لبنان". فوزير الصحة اللبناني يمتلك - بموجب الصلاحيات والقرارات النافذة واللجان التابعة له - هامشاً واسعاً من الاستثناءات والاستنسابية.

ويقول حاصباني، "هناك مرونة واستنسابية في ترجمة المعايير الدولية وقواعد إدخال الأدوية، إذ يُفتح المجال أمام أدوات علاجية وأدوية بيولوجية لم تُسجل في الدول المرجعية ولم تخضع للفحوصات المخبرية والسريرية الدقيقة للتثبت من مدى فاعليتها وسلامتها.

وقد لا يكون الدواء سامّاً أو ضاراً بشكل مباشر، لكنه قد يكون عديم الفاعلية أو ضعيف التأثير، وهو أمر قاتل بالنسبة لإلى مرضى السرطان وأمراض المناعة الذاتية الذين يتوقف شفاؤهم على جرعات عالية الجودة".

من هنا، يضيف حاصباني "الأهم، توفر الشروط الخاصة بكلّ دواء سيدخل لبنان، خصوصاً الأدوية البيولوجية Bio similar. فقد لا يكون الدواء مضراً لكنه قد يكون غير نافع".

لعبة السعر الأقل والأرباح الخيالية
يكشف حاصباني عن معادلة مالية تحكم عملية استيراد وتمرير الأدوية المنخفضة الجودة.

ويشير إلى أنّ عدداً من وزراء الصحة في سنوات سابقة سمحوا لأنفسهم بوضع معايير تسمح بإدخال وتسجيل أدوية إيرانية وهندية وغيرها غير خاضعة للمعايير الصحية العالمية، سعرها متدن لكنّ أرباحها عالية، بمعنى أنّ سعرها أقلّ من سعر الأدوية المثبتة فاعليتها في أوروبا أو في أميركا. لكن أحداً لم يقل إنه السعر الأقل الممكن الحصول عليه. سعرها متدنٍ مقارنة بسعر الدواء المرجعي الأصلي (الأميركي أو الأوروبي)، لكنه ليس الأرخص، مما يظهرها في ظاهر الأمر كخيار اقتصادي يوفر على الخزينة والمواطن. 

(على سبيل المثال: دواء يُصنع بـ 10 دولارات، ويُباع في لبنان بـ 50 دولاراً لينافس دواءً مرجعياً بقيمة 100 دولار). هذا الفرق يمنح الشركات المستوردة أرباحاً هائلة على حساب الجودة، من دون أن يعكس السعر الحقيقي لفاعلية الدواء أو كلفة إنتاجه الشفافة).

من هنا، علينا التدقيق - بحسب حاصباني - وطرح عدد من الأسئلة: إذا كانت هذه الأدوية رخيصة، فهل هذا يعني أنها الأرخص؟ وهل سعرها يعكس فاعليتها القليلة؟ وما هي فاعليتها الحقيقية؟ وهل هي مثبتة عالمياً وخاضعة للمعايير الدولية؟


مقترح قانون ضابط من "الجمهورية القوية"
أمام غياب النصوص التنظيمية الرادعة واكتفاء النظام الحالي بـ"مرسوم إطاري" غير كافٍ، يتجه تكتل "الجمهورية القوية" عبر نائب رئيس الحكومة الأسبق غسان حاصباني لتقديم اقتراح قانون يتضمن ضوابط تفصيلية، تتعلق بتحديد الهيئات المرجعية، أي إلزام وزارة الصحة باعتماد لوائح المرجعيات العالمية الصارمة حصراً لتسجيل الأدوية الحساسة (خصوصاً الأدوية السرطانية والمناعية).

وإقرار هذا القانون، يسحب الهامش الاستنسابي من يد الوزير واللجان التابعة له للحد من التدخلات والتسويات التجارية، ويمنع الدولة من الدخول في لعبة التنافس بين الشركات أو السمسرة، ويطمئن المواطن إلى جودة الدواء. ومن المقرر ان يُطرح القانون الأسبوع المقبل. 


الخاتمة 
تساؤلات حادة باتت برسم الجهات الرقابية والقضائية والعهد الجديد لمكافحة كارتيلات الفساد والتجاوزات في قطاع الصحة - إن وُجدت - تبدأ بغياب الشفافية، والدخول كطرف في المنافسات وتفضيل شركات على أخرى، وإدخال أدوية فازت بالمناقصات إلى مخازن وزارة الصحة من دون أن تكون مسجلة رسمياً حتى الساعة على لوائح الوزارة المعتمدة وموقعها الإلكتروني، بحسب معلومات "النهار". والأهم، شبهة الاحتكار، كحصول شركة واحدة على نحو 49% من مناقصات وزارة الصحة.