فوضى المجلس الشيعي: برّي ونصرالله يتوليان الملف شخصياً

جاء في المدن:

ليست الفوضى التي خرجت إلى العلن، على شكل استقالات وبيانات، من "المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى"، الدليل الكافي على اضمحلال المجلس، كمؤسسة جامعة للطائفة الشيعية.. فحالة الإنكار الشكلي لمؤسسها في ظل غياب أي صورة للامام موسى الصدر يُفترض أن تستقبل زائريه في البهو الداخلي للمبنى القائم على طريق المطار، تحمل الدلالات الكافية على أن ما وصل إليه المجلس، يخالف كل ما عُمل عليه منذ تأسيسه قبل ستين عاماً.

 

التخبط في الصراعات
يكفي غياب الصورة لرسم مؤشرات مهمة حول تحولات المجلس الذي "يتخبط"، كما يقول عارفون بأحواله، وأنه "يُدار بأهواء نائب رئيسه" الشيخ علي الخطيب. يقول مصدر مواكب عن كثب لأحوال المجلس لـ"المدن" إن ما يجري "غير مقبول"، و"ليس بهذه الطريقة تُدار مؤسسة جامعة للطائفة الشيعية"، إذ غطّت القرارات الأخيرة التي اتخذها الشيخ الخطيب، على الخطاب السياسي للمجلس الذي لطالما كان محل نقاش. وكانت هناك جهود لتصويبه لاستعادة الدور الرئيسي للمؤسسة خارج الاصطفافات السياسية.

لم يختبر المجلس منذ تأسيسه، تباينات تخرج إلى العلن على شكل بيانات وتشكيك وحملات على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلام، كما حصل في الشهرين الأخيرين. بدا المجلس "يتخبط" في صراعات واصطفافات بين فريقين، أولهما نائب رئيسه، وثانيهما فريق إصلاحي في مجلسيه الشرعي والتنفيذي. وحال عدم اتفاق "حركة أمل" و"حزب الله" على انتخاب رئيس جديد يخلف الشيخ عبد الأمير قبلان في ظل "فيتوات" من "صقور" الهيئة الشرعية، دون إعادة تصويب مسار المؤسسة. وساهم ذلك في "تغول" الخطيب في اتخاذ القرارات، وإطلاق يده وفريق من المحيطين به، خارج الضوابط السياسية والتوازنات في داخله. وهو ما أدى إلى "استياء عارم من حركة أمل وحزب الله معاً"، كما تقول مصادر مواكبة للتطورات فيه.

 

تحدي برّي
التراكمات التي كانت مضبوطة طوال الأشهر الثلاثة الماضية، انفجرت أخيراً حين اتخذ الخطيب قراراً بإبطال قرار تعيين الوزير السابق الدكتور حسن اللقيس في موقع رئاسة الجامعة الإسلامية في لبنان، والذي أتى تعيينه بطلب من رئيس المجلس النيابي نبيه برّي. بدا أن الرجل يتحدى السلطة السياسية المؤثرة في عمل المجلس، وهو ما أدى إلى "استياء كبير"، يتم التعبير عنه بشكل متكرر على ألسنة المتابعين بالقول "مش هيك تُدار المؤسسة"! تضخمت الفوضى، وباتت أكثر تعقيداً من أن تتم متابعتها من قبل ممثلين عن "حركة أمل" و"حزب الله". اتخذ القرار أخيراً بأن يتولى كل من رئيس مجلس النواب نبيه برّي وأمين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله شخصياً ملف المجلس.

وحصر الخلاف بالبيانات بين الخطيب وموظفين في المجلس، حول شرعية السلطة واتخاذ القرارات فيها، "هو اجتزاء لقضية أهم"، تتمثل في "الحفاظ على دور المجلس الذي أسسه الإمام موسى الصدر، وأراد لهذه المؤسسة أن تكون مظلة لتنوع الطائفة وعنواناً للوحدة الوطنية والاعتدال". قُوّضت أدوار المؤسسة، وتم تقزيمها وسط تشظٍ بالخطاب، وضياع بالأولويات.

 

السفيرة الأميركية
يستغرب المتابعون لملف المجلس طرح الخطيب على السفيرة الأميركية، يوم زارته، ملف المساعدات الأميركية ووجهتها، بينما يعد هذا الأمر خارج اختصاصه على قاعدة أن "الناس مسلطون على أموالهم". يأخذون عليه إعطاء هذا الأمر أولوية على حساب طرح ملفات شائكة متصلة بالطائفة، كالعقوبات مثلاً، وتأكيد الانفتاح الشيعي على جميع المكونات اللبنانية وعلى جميع دول العالم باستثناء اسرائيل، ودور الطائفة على الصعيد الوطني واعتدالها، فضلاً عن التهديدات الإسرائيلية الدائمة والتزام الشيعة باستقرار البلاد، على سبيل المثال لا الحصر..

ينسحب الأمر على ملفات سياسية أخرى، فالمجلس الذي كان صلة وصل بين الطوائف والمكونات اللبنانية، بدءاً من الطائفة الشيعية مع طوائف أخرى، اتخذ موقفاً أكثر حدة من السلطة السياسية الشيعية في الأزمات الأخيرة. يستدل المتابعون لملف المجلس إلى انقطاع العلاقة مع بكركي، في وقت أن الرئيس نبيه برّي لا يزال يحتفظ بعلاقة معها. ويتوقفون عند تراجع اتصالاته مع المؤسسات الدينية الأخرى، خلافاً لما كان الأمر عليه في زمن الشيخ عبد الامير قبلان..

 

الإصلاح والممانعة
والى جانب الملفات الشائكة، لم يواكب المجلس المتغيرات في الداخل، لا سيما تقديم وجهة نظر شرعية وقانونية لحل إشكال يحاصر المؤسسة الشيعية من أبناء الطائفة أنفسهم، وهو حق حضانة الأم الشيعية المطلقة لأولادها، وإجراء تعديلات على الأحكام القائمة في القضاء الجعفري، أو حتى قوننة الأحكام التي يتخذها القضاة في تلك المحاكم بالممارسة والاجتهاد، وهو ما يعبر عنه بـ"إصلاح القضاء الجعفري". وهو ملف تمضي به النائبة عناية عز الدين وتدفع إليه بقوة، وقد انفجرت قضية الاصلاح مطلع هذا الأسبوع باستقالة مفتي صور وجبل عامل الشيخ حسن عبد الله من موقعه كقاض في المحكمة الجعفرية، اعتراضاً على مواجهة الإصلاحات التي يمضي بها إلى جانب قضاة آخرين.

 

ملف "المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى"، فُتِح على مصراعيه أخيراً، ولن ينتهي إلا بكف يد الشيخ الخطيب وإعادة المجلس إلى دوره الأساس كمظلة للطائفة، وصلة وصل مع الآخرين، ومؤسسة إصلاحية ومعتدلة تشبه أبناء الطائفة، استكمالاً لرؤية مؤسسها الإمام الصدر، ورئيسيها الراحلين الشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ عبد الأمير قبلان.