المصدر: الجمهورية
الكاتب: عبدو أبو جودة
الاثنين 31 آب 2026 08:16:13
صدرت في 29 آب 2026 عن قداسة البابا لاوون الرابع عشر الإرادة الرسولية Mutua Concordia، المعدِّلة للقانونين 106 و126 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية (ويُشار إليها في ما يلي بالرمز «ق.»)، والتي أجازت لسينودس الأساقفة إقالة البطريرك من وظيفته لسببٍ خطير، وفق آلية أوّلية تركت للسينودسات استكمالها.
ومع التسليم الكامل بأنّ قداسة الحبر الأعظم، بما له من سلطة عليا وكاملة ومباشرة على الكنيسة جمعاء (ق. 43)، قد مارس صلاحيته التشريعية العليا، وأنّ ما قرّره نافذ وملزم ولا مجال للطعن فيه (ق. 45 §3)، فإنّ هذا التنظيم سليم الأساس ومستقيم المنطق: فالبطريرك يُنتخب من السينودس (ق. 63)، ويمارس سلطته بحسب القانون (ق. 56)، والسينودس هو صاحب السلطة العليا في الكنيسة البطريركية (ق. 110). ومن كان له الانتخاب، كان له أن يُسائل (ق. 106 §3 الجديد).
إنّ الإجراء المستحدث في ق. 126 §§3-4 إداري-سينودسي لا قضائي: لا يسلك المسار الجزائي (ق. 1468 وما يليه) ولا يُفضي إلى عقوبة بالمعنى الفنّي، بل إلى إنهاء الولاية على الوظيفة لسببٍ خطير. وهذا التكييف يوفّق بين النصّ الجديد وحصر الحكم على البطاركة بالحبر الروماني وحده (ق. 1060 §1)، ويستتبع بالضرورة انطباق ضمانات الفعل الإداري: السماع المسبق للمعنيّ وجمع الإثباتات (ق. 1517 §1)، وتسبيب القرار كتابةً (ق. 1519 §2). فلا يُعقل أن يُحرَم أخطر قرار في الكنيسة البطريركية من ضمانة تُمنح لأبسط مرسوم.
أمّا مفهوم السبب الخطير، فمألوف في المجموعة ويرد في مواضع كثيرة من دون تعريف، إذ أراده المشترع مفهوماً مرناً تقدّره السلطة المختصّة بحسب ظروف كلّ حالة. غير أنّ الفقه والاجتهاد الكنسيَّين استقرّا على تفسيره قياساً على الأسباب المعتمدة لإبعاد راعي الرعية (ق. 1390)، فيُفهم عادةً على أنّه يشمل: إلحاق ضررٍ أو اضطرابٍ جسيم بالشركة الكنسية؛ والعجز أو المرض الدائم؛ وفقدان السمعة الحسنة لدى المؤمنين أو نفورهم؛ والإهمال الجسيم لواجبات الوظيفة أو الإخلال بها؛ وإدارة الأموال الكنسية إدارةً تُلحق بالكنيسة ضرراً جسيماً. ويُشترط في كلّ الأحوال أن يكون السبب حقيقياً ومُثبَتاً ومتناسباً مع جسامة الإقالة.
وفي ما يتعلّق بالمرحلة السابقة للاقتراع، فإنّ الإحالة في الإرادة الرسولية إلى ق. 106 §1 عدد 3 تشترط ضمناً طلب ثلث الأعضاء للدعوة إلى الانعقاد، لكنها لا تشترطه لتقديم طلب العزل ذاته. ولم يُنظّم النصّ كيفية التثبّت من الوقائع قبل عرضها على الجمعية، ولا كيفية البتّ في قبول الطلب، ولا الفاصل الزمني بين التبليغ والاقتراع، ولا الوسيلة التي يُمارَس بها «الدفاع الكامل» الذي ضَمَنه له قداسته في الفقرة الرابعة من القانون 126 الجديد. وهذه أمور تركها النصّ، بحقّ، لتقدير كلّ سينودس.
إنّ اشتراط ثلثي الأعضاء ذوي حقّ التصويت معيار أشدّ من الأكثرية العامّة في الأفعال الجماعية (ق. 924). غير أنّ أثره الوقائي يتلاشى في السينودسات الصغيرة التي لا يتجاوز عددها بضعة عشر أسقفاً، حيث تصبح الأكثرية رهناً بأشخاص معدودين. والأخطر من العزل التلويحُ به كأداة ضغط في التسيير اليومي، وهو ما يناقض غاية النصّ في صون حرّية الآباء من الضغط.
وأمّا سبل المراجعة، فإنّ الطعن الإداري (ق. 996 وما يليها) موضوع لمراسيم السلطات الفردية، ولم يُوضَّح انطباقه على قرار سينودسي جماعي. وقد حدّد قداسته غاية الموافقة البابوية بالتحقّق من حرّية الآباء لا بإعادة النظر في الأساس، ومتى صدرت فلا سبيل بعدها (ق. 45 §3). ومن هنا أهمية أن يصل إلى قداسته ملفٌّ كامل ومعلَّل لا نتيجة اقتراع فحسب، حتى تكون موافقته السامية مبنيّة على بيّنة.
وعلى مستوى القانون الخاصّ، نقترح أن يسنّ كلّ سينودس، في إطار القانون الخاصّ بكنيسته (ق. 110 §1 و111)، إجراءً مكمّلاً يُنظّم كيفية ممارسة الصلاحية التي منحها إيّاه قداسة الحبر الأعظم. فالنصّ البابوي حدّد المبدأ والغاية، وترك للسينودسات، وهي أدرى بتراثها وبظروفها، أن تحدّد الوسيلة، بمواكبة دائرة الكنائس الشرقية ودائرة النصوص التشريعية وفق اختصاصهما في الدستور الرسولي Praedicate Evangelium. ويبقى على السينودس أن يُتمّ الصلاحية الممنوحة له بتنظيم كيفية ممارستها، مسترشداً بما في القانون العام من ضمانات، وحمايةً لدور البطريرك وفقاً لتقليد الكنائس الشرقية.
إنّ ما أراده قداسته من هذا التنظيم هو استعادة الشركة لا إضعاف الرأس، وتثبيت مكانة السينودس لا الإطاحة بالبطريرك، بما يجسّد في آنٍ واحد المرجعية المطلقة للحبر الأعظم والدور الأساسي للسينودس في حياة كلّ كنيسة بطريركية. ويبقى السيّد البطريرك، بوصفه رأس كنيسته، متمتّعاً بحصانة الموقع وحمايته وديمومته، إلّا في الحالات الاستثنائية الخطيرة. ويُذكَّر بأنّ البطريرك لا يخضع لموجب تقديم الاستقالة عند بلوغ سنٍّ معيّنة، خلافاً لما هو مقرَّر للأساقفة الإيبارشيين (ق. 210 §1)، وأنّ كرسيه لا يشغر إلّا بالوفاة أو الاستقالة (ق. 126 §1) أو بما أُضيف الآن من عزلٍ لسببٍ خطير، وهو ما يؤكّد أنّ ولايته بطبيعتها مدى الحياة.
وقد ذهبت تعليقات كثيرة إلى أنّ هذه الإرادة الرسولية تستهدف إقالة هذا البطريرك أو ذاك، فأغفلت أنّ جوهرها تنظيمي، يحاكي تقليداً شرقياً قديماً ويؤكّد ممارسات طُبّقت في ما مضى، حين كان السينودس يقيل البطريرك في الحالات الكبرى وحدها، كالوقوع في الهرطقة، لا لأسبابٍ عابرة أو خلافاتٍ ظرفية. وبإغفال هذا الجوهر حُرّف مقصد الإرادة. والحبر الأعظم أسمى من الحسابات الضيّقة؛ غايته تثبيت هذا التقليد في نصٍّ منظَّم، وهذه الغاية هي خلاصة هذه الإرادة. فالنصّ، تكاملاً مع القوانين الكنسية، أعطى السادة الأساقفة دوراً أساسياً وكبيراً، يبدأ بتنظيم هذه الإرادة في القانون الخاصّ، ويمتدّ إلى تكريس الدور التاريخي للبطريرك رأساً لكنيسته، يعمل مع سينودس الأساقفة في شراكة كاملة مع الكنيسة الجامعة ورأسها الحبر الأعظم.
وخلاصة القول، إنّ الإرادة الرسولية تنظيمية بطبيعتها وغايتها، تحاكي تقاليد قديمة وممارسات سابقة، وندعو إلى استكمالها تنظيماً في القانون الخاصّ لكلّ كنيسة، بما يحفظ التوازن الذي أعلنه الحبر الأعظم وأكّد عليه: فولاية البطريرك مدى الحياة من جهة، ويجوز عزله استثنائياً من قبل سينودس الأساقفة لأسبابٍ خطيرة من جهة أخرى، على أن يتولّى القانون الخاصّ تحديد تفاصيل هذه الإرادة وآليات تطبيقها.