في الفترة الرمادية: إسرائيل تثبّت احتلالها

عندما أصبح نزع سلاح "حزب إيران/ حزب الله" مطلباً لبنانياً صار أيضاً عالمياً، ولذا تشترطه إسرائيل وتستخدمه لتبرير احتلالها/ تدميرها أجزاء واسعة من جنوب لبنان. لكن الملاحظ أنها لا تتعرّض لانتقادات وإدانات كتلك التي توجّه إليها بسبب وحشيتها المفرطة في غزّة، أو بسبب خططها لضمّ الضفة الغربية وتوظيفها عنف جيشها ومستوطنيها لترهيب الفلسطينيين.
حتى احتلالها مساحات في جنوب سوريا وتوغّلاتها اليومية في مناطقه ومحاولاتها لفرض أمر واقع في السويداء، لا تخترق الصمت الدولي، على رغم ما ظهر من اهتمام بإعادة تأهيل سوريا. وإذا كانت إسرائيل أفشلت التفاوض في الملفات الثلاثة حين كان دونالد ترامب في أوج قوته، فإنها لا تتوانى عن استغلال مأزقه وهو في ذروة ارتباكه.

في الفترة الرمادية بين الولايات المتحدة وإيران، الفاصلة عن الانتخابات في إسرائيل، أُعلن أن جيشها يستعدّ لمرحلة جديدة في لبنان. قد يعني ذلك مزيداً من الاجتياحات إذا مسّت حاجة بنيامين نتنياهو الانتخابية إليها، لكنه ربما يشير إلى أن العدو يملأ الوقت الضائع بتحصين احتلاله في المرتفعات والمواقع الإستراتيجية الجنوبية التي يعتزم الاحتفاظ بها.

وفي غضون ذلك، لا تزال المفاوضات المباشرة معلّقة، وهي مرشّحة لأن تبقى كذلك طويلاً، لأن واشنطن قد لا ترى جدوى في الضغط على إسرائيل أو في المطالبة باستعادتها. ولأن عقدة العرقلة تراوح مكانها، فلا مجال لتحريك بند الانسحابات الإسرائيلية، كما يُطالب لبنان، سواء لأن درجة التعنّت مرتفعة في الموسم الانتخابي أو لأن الجانب الأميركي - الإسرائيلي لا يرى سوى تعنّت إيران و"حزبها" بالنسبة إلى السلاح. وفي المقابل لا جديد في مواقف الدولة اللبنانية وجيشها.   

 

وتستخدم إيران "الحزب" وسلاحه وشعارات "المقاومة" و"الممانعة" لترسيخ النفوذ الذي استثمرت فيه وانتزعته على حساب لبنان- الدولة وضدّ إرادة مكوّنات المجتمع كافة، بما فيها "الطائفة الحاضنة". ولطالما أوحت زيارات مسؤولين إيرانيين واللقاءات معهم بأنهم يريدون علاقة جيدة مع لبنان، "من دولة إلى دولة"، إلا أن كذبهم ينكشف سريعاً، إلى حدّ لا يتيح أيّ تراجع في الموقف منهم، ولا حتى الرهان الشكلي على تفاوضهم مع واشنطن.
ويكفي أن تسلُّم "الحرس الثوري" القيادة السياسية والعسكرية لـ"الحزب" قطع أي صلة له بالمصلحة الوطنية، أكانت تتعلق بالشعب أم بالدولة. 
قد يكون الرئيس نواف سلام سمع من الرئيس الإيراني كلاماً مسالماً وسوياً، لكن مسعود بزشكيان واجهة يراد لها أن تظهر طبيعية ومنفتحة، أما دوره في القرار الإيراني وتأثيره في توجّهات المرشد فشبه معدومين، مقارنةً برضائي وقاليباف ووحيدي. 
قال لبنان - الدولة كلمته في الداخل والخارج، عبر قرارات مجلس الوزراء وفي المحافل الدولية، ولديه دعم سياسي عالمي باستثناء إيران. أما "حزبها" الذي أحيا الذكرى الثانية لهزائمه فلم تعد له وظيفة سوى العمل على إفشال الدولة ومعاقبتها لأنها لم تصطف وراءه في حربَي "الإسناد"، وذهب في التهوّر إلى حدّ ظلم بيئته وتشريدها. لكنه بعد عامين، يكابر بأنه مستمر في "المقاومة" فقط استدراجاً للاحتلال، ويريد أن يكون المفاوض عن لبنان، باسم إيران، لكنه لم يعد ذا صفة بعدما نزعت الدولة عنه كل شرعية. ماذا يمكن أن يقال إزاء الادعاء أن "الحزب" أجرى مراجعة ووجد أن قرار خوض حربَي "الإسناد" كان "صائباً"؟
لا شكّ في أن نفاق التابع المتملق لسيّده الإيراني يعمي بصيرته، فلا يرى أين المصلحة الحقيقية لوطنه وشعبه.